كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
و السلام، بل كان هو خلاصة رسالاتهم ومفتتح دعواتهم، فما منهم من رسول الا كان التوحيد أول ما يدعو إليه قومه، كما دل على ذلك القرآن الكريم، قال تعالى: ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] وقال تعالى: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25].
بل هذا التوحيد هو الذي خلق اللّه الخلق لأجله وشرع الجهاد لاقامته وجعل الثواب في الدنيا والآخرة لمن قام به وحققه، وجعل العقاب على من كفر به وتركه، وجعله الفيصل بين أهل السعادة القائمين به وأهل الشقاوة التاركين له.
و قد فسر المؤلف هذا التوحيد بأن لا يجعل العبد لغير اللّه شركة مع اللّه في شي ء من عبادته، بل يصرف عبادته كلها للّه، سواء كانت عبادة بالقلب، كالحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والانابة، أو كانت عبادة باللسان، كالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والتمجيد وكل أنواع الثناء التي لا تنبغي الا للّه.
و كذلك السؤال والدعاء والاستعاذة والاستغاثة والحلف والتسمية وغير ذلك أو كانت عبادة بالأبدان، كالصلاة والصيام والحج والجهاد، أو عبادة بالمال كالصدقات والنذور والذبائح والحبوس وجميع أبواب البر التي تنفق فيها الأموال. وان لا يعبد اللّه الا بما شرعه هو على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فلا يزيد عليه شيئا ولا ينقص منه شيئا، ولا يغير فيه ولا يبدل، فان كل ذلك بدعة ضلالة لا يقبلها اللّه عز وجل، بل يردها على صاحبها ويمقته عليها. قال صلّى اللّه عليه وسلّم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود على صاحبه لا ثواب له عليه، لأنه عبادة بالهوى وتشريع ما لم يأذن به اللّه، وانما يعبد اللّه بما شرع لا بالأهواء والبدع.
فاذا عرف العبد ذلك معرفة حقة أفرد اللّه بالعبادة كلها، الظاهرة منها والباطنة فيقوم بشرائع الاسلام الظاهرة، كالصلاة والزكاة والصوم والحج