كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
هذا هو الإحسان شرط في قبو ... ل السعي فافهمه من القرآن
والاتباع بدون شرح رسوله ... عين المحال وأبطل البطلان
فإذا نبذت كتابه ورسوله ... وتبعت أمر النفس والشيطان
واتخذت أندادا تحبهم كح ... ب اللّه كنت مجانب الإيمان
الشرح:
يعني أن ركني العبادة التي لا قوام لها إلا بهما، هما كمال الحب للّه، بأن لا تشرك في محبته أحدا، بل تحب فيه وله كما قدمنا، وكمال الذل والخضوع له بالقلب والأركان، أي الجوارح، فمن لم يجتمع له هذان الأمران لا يسمى عابدا فالإنسان يحب زوجته وأولاده ولكنه لا يذل لهم، فلا يكون هذا الحب بمجرده عبادة، وكذلك قد يذل لغيره مع بغضه وكراهته له، فلا يكون ذله عبادة.
و معنى حبك للّه أن توافقه فيما يحبه ويرضاه، وتبغض بقلبك كل ما لا يحبه ولا يرضاه، وهذه الموافقة هي نفس اتباعك لأمره، سواء كان أمر إيجاب أو ندب فإنه ما أمر إلا بما يحب، وأن تكون مخلصا له في الاتباع، بحيث لا تقصد به إلا وجهه، فهذا هو الإحسان الذي جعله اللّه شرطا لقبول العمل، كما دل على ذلك القرآن، قال تعالى: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 112]، فالمراد من إسلام الوجه للّه الانقياد لأمره وقوله: وهُوَ مُحْسِنٌ جملة حالية تفيد أنه لا بد أن يكون هذا الانقياد مع الإحسان الذي هو إخلاص القصد للّه بحيث لا يبتغى إلا وجهه.
و مثل ذلك قوله تعالى: ومَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125].
و قوله: ومَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [لقمان: 22] ولا يتحقق الاتباع لأمر اللّه إلا بالتزام الشريعة التي جاء بها رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنها هي المتضمنة لكل ما أمر اللّه عز وجل به، وكل ما