كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

الشرح:
وكذلك سميتم استواءه تعالى على العرش الثابت له بالأدلة الصريحة من الكتاب والسنة تركيبا لتتوصلوا بذلك إلى نفيه حيث قلتم لو كان فوق العرش بذاته لكان جسما فيكون مركبا، والتركيب محال، وسميتم ما وصف اللّه به نفسه من الوجه واليد واليدين والعينين واليمين، وما وصفه به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من القدم والساق والاصبع، ونحو ذلك أعضاء بل سميتموها جوارح ثم سطوتم عليها بعد ذلك بالنفي، كما ينفى عنه العيب والنقص فسويتم بين ما أثبته لنفسه من الكمال، وبين ما يجب تنزيهه عنه من النقص، مع أنه لا يلزم أصلا من إثبات الوجه واليدين ونحوهما أن تكون في اللّه كما هي في الحيوان جوارح وأعضاء.
و قلتم على سبيل التمويه والمغالطة، إنما نفينا هذه الأشياء بقصد تنزيهه عن الأعراض والأغراض والأبعاض أي الأجزاء والجثمان أي الجسمية، وبقصد تنزيهه أيضا عن أن تحل الحوادث بذاته مع أن قصدكم بذلك هو نفي صفاته وأفعاله واستوائه وحكمته، تعالى اللّه عما تقولون علوا كبيرا.
و من العجب أن الناس إلا أقلهم ممن عصم اللّه يحسبون أنفسهم في دائرة الألفاظ ويؤثر فيهم جرسها وطنينها، فتذهلهم عما وراءها من معان، فإذا سمعوا لفظا يوهم شيئا من النقص أو التشبيه فروا منه خشية الوقوع فيما ينافي السبحان، أي التنزيه، ومن العجب أن الناس أيضا كلهم إلا الفرد بعد الفرد تراه يقبل مذهبا إذا صيغ له في قالب معين من الألفاظ، ثم يرفضه هو نفسه إذا صيغ في قالب آخر.
و جملة قولنا لهؤلاء النفاة أن ذات اللّه وصفاته وأفعاله لا يصح أن تنفى بهذا الهراء، فإن العبرة ليست بما يتواضعون عليه من ألفاظ وأسماء، بل بما وراء ذلك من معان ومدلولات، فليسموا هذه الأشياء بما أرادوا، فإن ذلك لن يغير من الحق شيئا.
كم ذا توسلتم بلفظ الجسم ... والتجسيم للتعطيل والكفران

الصفحة 169