كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

وجعلتموه الترس إن قلنا لكم ... اللّه فوق العرش والأكوان
قلتم لنا جسم على جسم تعا ... لى اللّه عن جسم وعن جثمان
وكذاك إن قلنا القرآن كلامه ... منه بدا لم يبد من إنسان
كلا ولا ملك ولا لوح ول ... كن قاله الرحمن قول بيان
قلتم لنا أن الكلام قيامه ... بالجسم أيضا وهو ذا حدثان
عرض يقوم بغير جسم لم يكن ... هذا بمعقول لذي الأذهان
وكذاك حين نقول ينزل ربنا ... في ثلث ليل وآخر أو ثان
قلتم لنا أن النزول لغير أج ... سام محال ليس ذا إمكان
وكذاك إن قلنا يرى سبحانه ... قلتم أجسم كي يرى بعيان
أم كان ذا جهة تعالى ربنا ... عن ذا فليس يراه من إنسان
الشرح:
كانت شبهة الجسم والتجسيم من أعظم أسباب الضلال في باب الصفات، فقد جعلها المعطلة عرضة مانعة لهم من القول بالاثبات ونصبوها صخرة عاتية يحطمون عليها صريح الأحاديث ومحكم الآيات، واتخذوا منها ترسا يحتمون به مما يوجه إليهم من طعنات، فإذا قيل لهم أن اللّه فوق العرش بذاته، قالوا لو كان فوق العرش (و العرش جسم) لكان جسما لأنه حينئذ يكون متحيزا وفي جهة، ولأنه إما أن يكون مساويا للعرش أو أكبر منه أو أصغر إلخ ما يذكرون من هذا الهراء.
و كذلك إذا قيل لهم أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق، بدا بلا كيفية قولا وأنه ليس قول بشر ولا ملك ولا مأخوذا من اللوح المحفوظ، ولكنه قول اللّه الذي تكلم به بحروفه وألفاظه بصوت نفسه، وسمعه منه جبريل عليه السلام قالوا إن الكلام عرض من الأعراض التي لا تقوم إلا بالأجسام، وهو أيضا حادث يمتنع قيامه بذاته تعالى، وإذا كان اللّه تعالى غير جسم فلا يعقل أن يقوم به الكلام الذي هو عرض، فإن الأعراض لا تقوم إلا بالأجسام.
و كذلك إذا قيل لهم ما وردت به الروايات الصحيحة من نزول الرب تبارك

الصفحة 170