كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
و أما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول هو المركب من الجواهر الفردة، ومنهم من يقول هو المركب من المادة والصورة، وكل هؤلاء يقولون أنه مشار إليه اشارة حسية ومنهم من يقول ليس مركبا من هذا، بل هو بما يشار إليه ويقال انه هنا أو هناك. والثاني منهما نفي صفة العلو الثابتة لفاطر الأكوان سبحانه نقلا وعقلا وفطرة.
و ركبتم بهذا الاصطلاح الفاسد أيضا تحريفين: أحدهما تحريف الحديث، والثاني تحريف المحكم من آيات القرآن، فملتم بكل منهما عن أصل وضعه وتأولتموه بما ينفي معناه الظاهر منه من غير قرينة موجبة لذلك، واقترفتم به أيضا جرمين: أحدهما جرم النفي لما دلت عليه النصوص من الصفات، والثاني جرم التحريف للنصوص وصرفها عن المعاني المرادة منها: فاجتمع لكم كفلان، أي نصيبان من الوزر، وحرمتها بذلك من أجرين: أجر الصدق حيث كذبتم على اللّه ورسوله، وأجر الايمان حيث كفرتم بما هو ثابت من الصفات، ففاتكم بذلك حظان، أي نصيبان من الأجر.
و كسبتم به مقتين: أحدهما مقت اللّه لكم حيث قلتم عليه بغير علم، والثاني مقت المؤمنين حيث خالفتم سبيلهم وأخذتم في سبل الغواية والشيطان.
و لبستم به ثوبين: أحدهما ثوب الجهل حيث لم تعرفوا ربكم بصفات كماله، وحسبتموها نقصا، والثاني ثوب الظلم والعدوان حيث تعديتم على حرمة النصوص وجرتم عليها بالتحريف والتأويل.
و تحليتم بطرزين: أحدهما طرز الكبر حيث تأبون قبول الحق والانقياد له والثاني طرز التيه والخيلاء اغترارا بما عندكم من علم مموه وسفسطة كاذبة.
و مددتم نحو العلى باعين لكن قصرت أيديكم عن تناولها: لأنكم لم تعدوا لها أسبابها ولم تأتوها من أبوابها، ولكن تسورتم عليها من الجدران.