كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

فانظر كيف أنهم لم يجعلوا ربهم حتى مساويا لرؤسائهم من القسيسين والرهبان فينزهوه عما نزهوهم عنه من النسوان والولدان، ومثل هؤلاء جميعا ذلك الجهمي الذي ينزه ربه عن أن يكون فوق عرشه، خوفا من وصفه بالحد والنهاية في زعمه أو أن يكون في حيز ومكان، ثم رضي أن يصفه بصفات المعدوم الذي لا وجود له إلا في الأذهان.
لكنما قدماؤهم قالوا بأ ... نّ الذات قد وجدت بكل مكان
جعلوه في الآبار والأنجاس وال ... حانات والخربات والقيعان
والقصد أنكم تحيزتم إلى الآ ... راء وهي كثيرة الهذيان
فتلونت بكم فجئتم أنتم ... متلونين عجائب الأكوان
وعرضتم قول الرسول على الذي ... قد قاله الأشياخ عرض وزان
وجعلتم أقوالهم ميزان ما ... قد قاله والقول في الميزان
ووردتم سفل المياه ولم نكن ... نرضى بذاك الورد للظمآن
وأخذتم أنتم بنيات الطريق ونح ... ن سرنا في الطريق الأعظم السلطاني
وجعلتم ترس الكلام مجنكم ... تبا لذاك الترس عند طعان
الشرح:
ولكن قدماء هؤلاء المعطلة كانوا يقولون بحلول الذات في جميع الأمكنة، فحكموا على ربهم بالوجود في الأماكن القذرة من الآبار ومواضع النجاسات وحانات الخمور وخرائب الدور وقيعان الأرض، وهي الأراضي المستوية السبخة التي لا تصلح للإنبات.
و القصد أن هؤلاء المعطلة بدلا من أن يتحيزوا إلى القرآن والسنة الصحيحة وحكم العقل الصريح والفطرة السليمة، تحيزوا إلى آراء فلان وفلان على كثرة ما فيها من خلط وهذيان، فتلونت بهم هذه الآراء حيث ألبسوها أثوابا من جدلهم وسفسطاتهم، ثم تلونوا هم بها حتى ظهروا في ألوان مزرية عجيبة، ثم هم مع تحيزهم لهذه الآراء يقدمونها على قول المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم، فيعرضون ما قاله هو على

الصفحة 187