كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
الغيلان والحيات، وصاروا فريسة للسباع الضاريات والوحوش الكاسرات.
و كذلك الشيطان يصطاد بشباكه أهل الغفلات الذين لا يذكرون اللّه في جميع الأوقات، وفي الحديث الصحيح «أن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا ذكر اللّه تعالى» وذكر اللّه عز وجل أنواع، فأعلاها ذكره سبحانه بما له من الأسماء والصفات. وهذا الذكر لا يتأتى إلا مع الإثبات لها، وأما من ينفيها ويجحدها فهو داع إلى نسيانها، ولهذا كان النافي لها خليفة الشيطان، لأنه يدعو إلى مثل ما يدعو إليه من الغفلة والنسيان. قال تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [المجادلة: 19].
و كذلك الذاكرون للّه على مراتب ودرجات، فأعلاهم منزلة هم أولو الإيمان والمعرفة بمعاني أسمائه الحسنى وصفاته العليا سبحانه، وذلك حين يقومون للّه بها في السر والإعلان، فكلما كان العبد أتم إيمانا ومعرفة بصفات اللّه عز وجل كان أشد خشية له وأقرب إليه زلفى وأعظم عنده جاها ومنزلة.
وأخص أهل الذكر بالرحمن أع ... لمهم بها هم صفوة الرحمن
وكذاك كان محمد وأبوه اب ... راهيم والمولود من عمران
وكذاك نوح وابن مريم عندنا ... هم خير خلق اللّه من إنسان
لمعارف حصلت لهم بصفاته ... لم يؤتها أحد من الإنسان
وهم أولو العزم الذين بسورة الأ ... حزاب والشورى أتوا ببيان
وكذلك القرآن مملوء من الأ ... وصاف وهي القصد بالقرآن
ليصير معروفا لنا بصفاته ... ويصير مذكورا لنا بجنان
ولسان أيضا مع محبتنا له ... فلأجل ذا الاثبات في الإيمان
مثل الأساس من البناء فمن يرم ... هدم الأساس فكيف بالبنيان
واللّه ما قام البناء لدين رس ... ل اللّه بالتعطيل للديّان