كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

مع اللّه كما قال تعالى: وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ [النحل: 51] ولذلك لم نعبده مثل عبادتنا للّه، كما فعل النصارى في نبيهم عيسى عليه السلام، حيث جعلوه ابنا للّه، بل قال بعضهم أنه هو اللّه، وكذلك لم نغل فيه كما غلا النصارى في عيسى وهو قد نهانا عن هذا الغلو خشية أن يفضي بنا إلى الكفر، ففي الصحيح عنه عليه السلام أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا عبد اللّه ورسوله».
و حاصل هذا الباب إن للّه عز وجل حقا ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم حقا، فأما حق اللّه فهو مختص به لا يجوز أن يشركه غيره فيه. وأما حق الرسول فهو ثابت له أيضا، فلا يصح أن نخلط بين الحقين فنجعل ما هو مختص بأحدهما للآخر دون تفرقة أو تمييز، فإن تلك هي الندية التي نهانا عنها اللّه ورسوله.
فأما حقوق اللّه التي لا تنبغي إلا له فمنها الحج، وهو القصد إلى زيارة بيته الحرام لأداء المناسك المعروفة، ومنها الصلاة، فرضا كانت أو نفلا، ومنها الذبح لقوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: 162] والنسك هو الذبح، ولقوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ [الكوثر: 2] فكما أمره بالصلاة لربه أمره بالنحر له، ومنها السجود وهو وضع الجبهة على الأرض على جهة الذل والخضوع لقوله عليه السلام لمعاذ حين سجد له: «لو كنت آمرا أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولكن لا ينبغي السجود إلا للّه».
و منها النذر، فإن النذر عبادة لا تنبغي إلا للّه، قال تعالى: ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: 29] ومدح الأبرار من عباده بأنهم يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان: 7] وقال: وما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة: 270].
و منها الحلف فإنه تعظيم للمحلوف به، وذلك لا يكون إلا للّه، قال عليه

الصفحة 204