كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

كان، ولكن تمكن التقليد منكم فأنساكم وصية الشيوخ فخالفتموها مع مخالفتكم لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وحكمه، فصار لكم بذلك خلافان متفقان.
و واللّه أن أمركم لجد عجيب، فقد اجتمع فيكم ضدان لا يمكن أن يتفقا في الوجود أبدا، وهما تقديمكم آراء الناس على قوله وحكمه مع غلوكم فيه، هذا الغلو الذي خرج بكم عن حظيرة التوحيد. فكيف أتيح لكم أن يجتمع فيكم هذان الضدان؟
ثم أنتم كذلك تكفرون في جرأة وقحة من يجرد التوحيد للّه عز وجل، فلا يدعو مع اللّه أحد، ولا يجعل له ندا، ولا يجعل لغيره شركة معه في شي ء من عبادته، وذلك لجهلكم بحقيقة هذا التوحيد، في الوقت الذي تتجردون فيه لنصرة الشرك والترويج للبدع، طاعة منكم للشيطان واجتهادا في ارضائه وموافقته فأنتم حزبه وأولياؤه.
و نحن حين نهينا الناس عن الغلو في نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم وأمرناهم أن يعرفوا له حقه في الطاعة والاتباع والتعزيز والتوقير دون أن يجعلوا له شيئا من حقوق الالهية لم نقصد واللّه سوى تخليص التوحيد من كل شوائب الوثنية، وتلك هي وصية اللّه لنا حيث قال وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] وذلك هو ما يرضاه منا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كان أعظم داع الى التوحيد والقيام بحقه في الاخلاص والتجريد. وأما هذا الغلو في تعظيم المخلوقين والعكوف على أضرحة الموتى المقبورين الذي كان أصل الشرك وعبادة الأوثان في جميع الأديان، فذلك ما لا يرضيه.
واللّه لو يرضى الرسول دعاءنا ... اياه بادرنا الى الاذعان
واللّه لو يرضى الرسول سجودنا ... كنا نخر له الى الأذقان
واللّه ما يرضيه منا غير ... اخلاص وتحكيم لذا القرآن
ولقد نهى ذا الخلق عن اطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان

الصفحة 214