كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

و كذلك نشدّ رحالنا إلى المسجد النبوي في المدينة لا إلى القبر الشريف، فإن شد الرحل لا يجوز إلا لأحد المساجد الثلاثة التي هي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى لصحة الحديث بذلك، ويصبح شد الرحل إليه عندنا فرضا بالنذر، لأنه نذر طاعة، ونذر الطاعة يجب الوفاء به، فلو نذر أحد أن يصلي في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة لزمه الوفاء بذلك، خلافا لأبي حنيفة فإنه لا يرى وجوب شي ء بالنذر إلا لما كان جنسه فرضا، كالصلاة والصيام والحج ونحوها. ولنا نحن براهين تدل على فريضته بالنذر، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصى اللّه فلا يعصيه».
فقوله (فليطعه) أمر والأمر يقتضي الوجوب، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يفرق بين طاعة وطاعة، فسواء كان جنسها فرضا أم غير فرض تصبح واجبة بالنذر واللّه أعلم.
وصلاتنا فيه بألف من سوا ... ه ما خلا ذا الحجر والأركان
وكذا صلاة في قبا فكعمرة ... في أجرها والفضل للمنان
فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها ... وحضور قلب فعل ذي الإحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد القب ... ر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السر والإعلان
فكأنه في القبر حي ناطق ... فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت ... تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجّرت تلك العيون بمائها ... ولطالما غاضت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهيبة ... ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم ير طائفا بالقبر أس ... بوعا كأن القبر بيت ثان

الصفحة 218