كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

لو لا التناوش بين هذا الخلق ما ... كان التفرق قط في الحسبان
فالرب رب واحد وكتابه ... حق وفهم الحق منه دان
ورسوله قد أوضح الحق المب ... ين بغاية الإيضاح والتبيان
ما تمّ أوضح منه فلا ... يحتاج سامعها إلى تبيان
والنصح منه فوق كل نصيحة ... والعلم مأخوذ عن الرحمن
فلأي شي ء يعدل الباغي الهدى ... عن قوله لو لا عمى الخذلان
الشرح:
وعلى طالب النجاة كذلك أن يتجرد من كل ما درسه من المذاهب والمقالات وأن يعتبرها عدما، وأن يمحوها من صفحة ذهنه، وأن ييمم بعقله وفكره شطر مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وأن يخيل لنفسه كأنه يجلس بين أصحابه يتلقى معهم عنه العلم والهدى بالإحسان والمتابعة، ثم يتلقى عنهم كذلك ما تلقوه هم من الرسول عليه الصلاة والسلام من حقائق الإيمان وأبواب العلم والمعرفة، وأن يجعل هذا العلم النقي المصفى هو زاده في رحلته إلى اللّه الذي يبلغه كل ما يتمنى من رضوان اللّه ورحمته وجنته، وو اللّه لو لا ما كتبه اللّه على بني آدم من الخصومات والعداوة لم يدر بخلد أحد قط أن يتفرق المسلمون في دينهم شيعا، وأن يختصموا هكذا في ربهم فرقا ونحلا، فإن الرب الذي يدينون له رب واحد ليس لهم رب غيره، وكتابه الذي أنزله على رسوله حق لا ريب فيه، وهو قد أنزله بلسان عربي مبين ليفهمه كل أحد، فأخذ الحق منه دان قريب، قال تعالى:
وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17] وقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: 29].
و الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد أوفى على الغاية في إيضاح الحق وبيانه، فكلامه أفصح الكلام وأبينه، لا يحتاج معه سامعه إلى من يوضحه له، وهو كذلك أعظم الخلق شفقة على الخلق وأكملهم رغبة في نصحهم وإرشادهم إلى الحق، وهو أيضا أعلمهم بهذا الحق بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام، فإذا كان هو عليه السلام قد كملت فيه هذه الثلاثة من العلم والقدرة على البيان وإرادة النصح،

الصفحة 223