كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

واللّه لا يرضى بها ذو همة ... علياء طالبة لهذا الشأن
فمثالها واللّه في قلب الفتى ... وثباتها في منبت الإيمان
كالزرع ينبت حوله دغل فيم ... نعه النما فتراه ذا نقصان
وكذلك الإيمان في قلب الفتى ... غرس من الرحمن في الإنسان
والنفس تنبت حوله الشهوات ... والشبهات وهي كثيرة الأفنان
فيعود ذاك الغرس يبسا ذاويا ... أو ناقص الثمرات كل أوان
فتراه يحرث دائبا ومغله ... نزر وذا من أعظم الخسران
واللّه لو نكش النبات وكان ذا ... بصر لذاك الشوك والسعدان
لأتى كأمثال الجبال مغله ... ولكان أضعافا بلا حسبان
الشرح:
يتساءل المؤلف عمن أثرت هذه القواعد؟ التي أسسها هؤلاء وبنوا عليها ما بنوا من المذاهب والآراء، إنه لم يقل بها أحد من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا من التابعين لهم بإحسان، فإنهم ما أسسوا للناس في دينهم إلا اتباع نبيهم الكريم ولم يأمروهم بالجري وراء عقول الحمقى وآراء السفهاء، بل كلهم شدد النكير على من يأخذ بالرأي في دين اللّه عز وجل نصحا منهم للّه وكتابه ورسوله عملا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
و إن في اختلاف هذه الآراء وتناقضها ما يدل كل ذي عقل ومعرفة على أنها ليست من دين اللّه في شي ء، إذ لو كانت من عنده سبحانه ما اختلفت ولا تناقضت في أي عصر ولا زمان، بل هي في حقيقتها شبه واهية لا أصل لها كأنها بيت من الزجاج قد سقط على حجر صلب فصار هشيما، وو اللّه ما يرضى بها من كانت له همة علياء في طلب الحق وتسعى لمعرفته، فمثالها في قلب أصحابها وثباتها في منبت الإيمان كهذه الحشائش الضارة الطفيلية التي تمنع الزرع من النماء والتمام، فلا يعطي غلته كاملة. فالإيمان في قلب العبد هو غرس اللّه، والنفس تنبت من حوله وفي خلاله أفنانا كثيرة من الشهوات والشبهات التي تأكله وتعوق نموه حتى يرى بعد نضرته يابسا ذاويا ناقص الثمرة، فهو يزرع باستمرار ويتعهد

الصفحة 253