كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
فإذا تقطعت الوسائل وانتهت ... تلك المآكل في سريع زمان
هناك تقرع سن ندمان على الت ... فريط وقت السير والإمكان
وهناك تعلم ما بضاعتك التي ... حصلتها في سالف الأزمان
إلا الوبال عليك والحسرات وال ... خسران عند الوضع في الميزان
قيل وقال ما له من حاصل ... إلا العناء وكل ذي الأذهان
واللّه ما يجدي عليك هناك الا ... ذا الذي جاءت به الوحيان
واللّه ما ينجيك من سجن الجحي ... م سوى الحديث ومحكم القرآن
واللّه ليس الناس إلا أهله ... وسواهم من جملة الحيوان
الشرح:
ينادي المؤلف في هذه الأبيات علماء السوء من مقلدة المذاهب الأربعة في الفقه ومذهب الأشعري في علم الكلام، وكانوا هم أهل الحظوة في دولة الجهل في أيامه، حيث يتولون مناصب الافتاء والتدريس والقضاء وغيرها وتجري عليهم الجرايات والأحباس الكثيرة، ويتمتعون بأطيب المآكل والمشارب ويجالسون السلاطين والأمراء ويغرونهم بخصومهم من أهل الحديث والسنة فيقول لهم: يا من تعادون أنصار السنة والتوحيد وتحرضون عليهم أهل الجهل والظلم من الحكام والأمراء، من أجل أن يبقى لكم ما تتمتعون به من مآكل ومناصب ورياسات، هنيئا لكم هذه العداوة للحق وأهله، فلسوف تنقلب عليكم هوانا وحسرة ومذلة، ولسوف تجنون عاقبتها قريبا عند الموت، وحينئذ تذكرون صدق نصيحة أهل الإيمان لكم، فإذا تقطعت بكم تلك الأسباب التي كانت مودة بينكم في الحياة الدنيا، وفنيت عنكم تلك المآكل اللذيذة في زمان قريب، وصرتم إلى أجداث يأكلكم فيها الدود ويعفر وجوهكم التراب، فهناك تقرعون أسنانكم ندما وتعضون على أيديكم غما على تفريطكم في فسحة العمر وفي وقت القدرة والإمكان، وهناك تعلمون أي بضاعة فاسدة تلك التي حصلتموها في أيامكم الخوالي، فانقلبت عليكم وبالا وحسرات ونقصا في ميزانكم وزيادة في أوزاركم، وما هذه البضاعة التي عنيتم بها أنفسكم طول عمركم وأتعبتم فيها قرائحكم إلا قيل وقال لا محصول له ولا طائل تحته ولا يغني عنكم من عذاب