كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
الرسول لهم مثلا «1» بالغيث، ينزل على أرض سبخة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ليشرب منه الزرع والحيوان، ولا تنبت كلأ ليرعاه بهيمة الأنعام هذا إذا اقتصر ضررها عليها، ولم تحرق ما يجاورها من الزرع بنارها ودخانها. وأما الجاهلون بالوحي وغيره من أبواب العلم، فهم كرواء الزرع وزينته، شر زوان لأنهم مع قلة فائدتهم ممتصون ماء الزرع ويضيقون عليه، ويمنعون عنه الهواء والشمس، فهم مع غرس اللّه من الإيمان والهدى في القلب، كمثل شجر الدلب تراه ضخما عظيم الورق مع أنه لا زهر له ولا ثمر، فإذا كان بين أشجار الرمان فإنه يمتص منها الماء فلا يصل إليها، ويضيق بضخامته عليها فلا تنمو فروعها ولا تبسق أغصانها.
فهذا حال هؤلاء الجهلاء مع حال أهل العلم أنصار الرسول وفوارس الإيمان من أمثال شيخ المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه، فعليه تحية من اللّه مباركة طيبة، فسلام اللّه عليه ورحمته واللّه يبقيه مدى الأزمان لسان صدق لدعوة الحق يذود عنها كيد المضلين وأكاذيب المفترين.
لولاه ما سقى الغراس فسوق ذا ... ك الماء للدلب العظيم الشأن
فالغرس دلب كله وهو الذي ... يسقى ويحفظ عند أهل زمان
فالغرس في تلك الحضارة شارب ... فضل المياه مصاوه البستان
لكنما البلوى من الحطاب قط ... اع الغراس وعاقر الحيطان
__________________________________________________
(1) في الحديث الصحيح «ان مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه به الناس فسقوا وزرعوا وكان منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به».