كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
هجروا كلامك مبتدع لمن ... قد دان بالآثار والقرآن
فكأنه فيما لديهم مصحف ... في بيت زنديق أخي كفران
أو مسجد بجوار قوم همهم ... في الفسق لا في طاعة الرحمن
وخواصهم لم يقرءوه تدبرا ... بل للتبرك لا لفهم معان
وعوامهم في الشبع أو في ختمة ... أو تربة عوضا لذي الأثمان
هذا وهم حرفية التجويد أو ... صوتية الأنغام والألحان
يا رب قد قالوا بأن مصاحف الإ ... سلام ما فيها من القرآن
إلا المداد وهذه الأوراق والجلد ... الذي قد سل من حيوان
والكل مخلوق ولست بقائل ... أصلا ولا حرفا من القرآن
إن ذاك إلا قول مخلوق وهل ... هو جبرئيل أو الرسول فذان
قولان مشهوران قد قالتهما ... أشياخهم يا محنة القرآن
لو داسه رجل لقالوا لم يطأ ... إلا المداد وكاغد الإنسان
الشرح:
يبين المؤلف في هذه الأبيات موقف هؤلاء المعطلة النفاة من كلام اللّه، فهم قد هجروه وجفوا عنه كما يجفو المبتدعة الضلال عن أنصار السنة المستمسكين بالآثار والقرآن، فأصبح من هجرهم له كأنه مصحف وضع في بيت ملحد زنديق، متحلل من ربقة الدين والإيمان، أو كأنه مسجد في محله قوم لا هم لهم إلا ارتكاب المعاصي والفسوق وإذا قرأه خواصهم فإنهم لم يقرءوه تدبرا لآياته، وتفهما لمعانيه، وإنما يقرءونه لتحصل لهم بركته في الأولاد والأرزاق.
و أما عوامهم فإنهم يأكلون به ويتخذون منه حرفة لشبع بطونهم، فيقرءونه في الختمات أو على القبور ليشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون، وكل حظهم منه أنهم يهتمون بتجويد حرفة وتحسين الصوت بقراءته، فيقرءونه بأنواع من القراءات مع التطريب والإيقاع وحسن النغمات، وهم يا رب لا يعظمون حرمة هذه المصاحف لأنهم يعتقدون أنها ليس فيها شي ء من القرآن، لأن القرآن عندهم هو معان قائمة بذاته تعالى، يسمونها الكلام النفسي، وأما هذه المصاحف فليس فيها إلا المداد الذي كتبت به، والأوراق الذي كتب عليها والجلد الذي