كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
سبحانه قاسم فضله بين العبا ... د فذاك مولى الفضل والإحسان
فالفضل عند اللّه ليس بصورة الأ ... عمال بل بحقائق الإيمان
وتفاضل الأعمال يتبع ما يقو ... م بقلب صاحبها من البرهان
حتى يكون العاملان كلاهما ... في رتبة تبدو لنا بعيان
هذا وبينهما كما بين السما ... والأرض في فضل وفي رجحان
ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا ... رتب مضاعفة بلا حسبان
هذا عطاء الرب جل جلاله ... وبذاك تعرف حكمة الرحمن
الشرح:
واللّه سبحانه وتعالى أكرم من أن يضيع ما يتحمله عبده لأجله من شئون، فتحمله مرارة الرضى والصبر مع كثرة الأعداء وقلة الأنصار مما يدل على صدق يقينه باللّه عز وجل وقوة معرفته ومحبته له، فبحسبه من الذل والغربة قلة أنصاره بين جحافل الشرك التي تغزوه فرقة بعد فرقة، كلما رجعت عنه فرقة وأفته فرقة أخرى، فسل هذا الكسير المهيض الجناح عما يلقاه من أعدائه الذين لا حصر لهم مع تطاول الأمد وبعد العهد بالقرون الفاضلة. ولذلك تراه في صبر على أذى أعدائه كالقابض على الجمر، وترى في أحشائه نارا متقدة من الحزن والألم، واللّه سبحانه هو الذي يعلم ما في قلبه من أمور عظيمة لا يقدر قدرها إلا هو سبحانه، إذ هو موليها ومعطيها فيه بر ووفاء وتوحيد، وإخلاص وصبر ورضا وشكر وعرفان وتحكيم للسنة والقرآن، فسبحان مولى الفضل والإحسان الذي قسم الفضل بين عباده بالقسط والميزان والفضل عنده ليس بظواهر الأعمال بل بما تقوم عليه من حقائق الإيمان، فهي تتفاوت في الفضل بقدر ما يكون في قلب صاحبها من الإخلاص واليقين والخوف والمحبة والتذلل والخضوع الخ. حتى أن الرجلين ليكونان في صلاة واحدة ركوعهما واحد وسجودهما واحد، وأن بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فإحداهما صاحبها في خشوع وخشية وحضور قلبه مع اللّه، والأخرى أداها صاحبها وهو ساه غافل عن صلاته، إنما يؤديها حركات بالجوارح وأقوالا باللسان دون أن يكون حاضر الجنان.
و بين هاتين الدرجتين من المراتب ما لا حصر له، فيكون بين ثواب هذه