كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
قدر مخطوبتك ونفاستها لبذلت لها كل ما تقدر عليه من أثمان، ولو كنت تعلم أي دار تسكنها، وأنها الدار التي حوت من صنوف النعيم والسرور كل ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين، ومما لم يخطر على قلب إنسان لجعلت السعي منك إليها على الأرؤس إن لم تسعف القدمان.
و لقد دللتك على الطريق المؤدي إلى هذا المسكن الطيب، وهو العمل بالسنة والقرآن، فإن كنت طالبا للوصول حقا فإن الطريق لا يقطعه كسلان بل شمر عن ساعد جدك وأغذ السير على مطية عزمك ولا تستطل الطريق، فما سيرك إلا ساعة من زمان فتذكر قدر مخطوبتك وعلق بها قلبك وحدث بطيب وصالها نفسك ولا تبخل عليها بغالي المهور والأثمان ما دمت ذا قدرة وإمكان، ولا تبال بما تلقاه في هذه الدنيا من بؤس وحرمان، بل قدر كأن عمرك هو شهر رمضان. فأنت تصومه لعدته وتجعل يوم فطرك هو يوم وصال الأحبة والخلان، وتغن بأوصاف حسنها في سيرك، وأتخذ منه حداء يلهب شوقك ويجدد نشاط عزمك، وهناك تزايلك المخاوف كلها وتصبح في سكينة وأمان.
لا يلهينك منزل لعبت به ... أيدي البلا من سالف الأزمان
فلقد ترحل عنه كل مسرة ... وتبدلت بالهم والأحزان
سجن يضيق بصاحب الإيمان ل ... كن جنّة المأوى لذي الكفران
سكانها أهل الجهالة والبطا ... لة والسفاهة أنجس السكان
وألذهم عيشا فأجلهم بحق اللّه ثم حقائق القرآن
عمرت بهم هذي الديار وأقفرت ... منهم ربوع العلم والإيمان
قد آثروا الدنيا ولذة عيشها ال ... فاني على الجنات والرضوان
صحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم ... ورضوا بكل مذلة وهوان
كدحا وكذا لا يفتر عنهم ... ما فيه من غم ومن أحزان
الشرح:
فلا يشغلنك عن السير إلى غايتك والجد للقاء محبوبتك هذا المنزل