كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

و يأتي لهم الطعام في صحاف من الذهب يطوف عليهم بها غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون. قال تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وأَكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [الزخرف: 71].
و تأمل في هذه الآية الكريمة حيث جعل اللذة للعين والشهوة للنفس، لأن العين إذا التذت شيئا اشتهته النفس، فلذة العين سبب داع إلى شهوة النفس، وكلاهما باعث على التناول وهو مقتض لذة أخرى فوق ما نالته العينان.
و روى مسلم في صحيحه من حديث جابر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس». وفي المسند وسنن النسائي بإسناد صحيح عن زيد بن أبي أرقم قال: (جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال نعم والذي نفس محمد بيده أن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة، قال فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى، قال تكون أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه).
و عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا». وعن عبد اللّه بن عمرو في قوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وأَكْوابٍ [الزخرف: 71] قال:
يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى.
و روى الحاكم بإسناده عن حذيفة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي، فقال أبو بكر إنها لناعمة يا رسول اللّه، قال أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر».

الصفحة 376