كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

الأيام لا ينقضي ما بقلبه من وجد وهيام، ولكن الأكياس الفطناء من الأنام لم يتعلقوا من هذه الدنيا بحسن زائف ولا بجمال زائل، بل جردوا من ذلك قلوبهم ورنوا بأبصار بصائرهم إلى الغايات البعيدة، فحثوا إليها ركائب العزائم وامتطوا صهوات الهمم وجدّوا في بلوغ هاتيك المنازل التي هي المنازل الأولى والأوطان الأصلية التي كانوا يسكنونها وهم في صلب أبيهم آدم، قبل أن يرتكب الخطيئة ويهبط الى الأرض. وقد رفعت لهم في سيرهم أعلام الوصال فقربت منهم بعيد الآمال، وشحذت منهم الهمم، فلم يشعروا في سيرهم بسأم ولا كلال على حين باء الكسلان بالخيبة والحرمان.
ورأوا على بعد خياما مشرفا ... ت مشرقات النور والبرهان
فتيمموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهن أقمارا بلا نقصان
من قاصرات الطرف لا تبغى سوى ... محبوبها من سائر الشبان
قصرت عليه طرفها من حسنه ... والطرف في ذا الوجه للنسوان
أو أنها قصرت عليه طرفه ... من حسنها فالطرف للذكران
والأول المعهود من وضع الخطا ... ب فلا تحد عن ظاهر القرآن
ولربما دلت إشارته على الث ... اني فتلك إشارة لمعان
هذا وليس القاصرات كمن غدت ... مقصورة فهما إذا صنفان
الشرح:
وتراءت لهؤلاء الجادين المثمرين على بعد خياما عالية قد أشرق منها النور وسطع الضياء، فقصدوا نحو تلك الخيام فأبصروا فيهن نساء كأنهن البدور ليلة التمام من كل قاصرة طرفها على محبوبها فلا تتحول عنه إلى غيره من سائر الأنام قال تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ [الرحمن: 56] وقال: وعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: 48، 49] وقد اتفق المفسرون كلهم على أن معنى قاصرات الطرف أنهن حبسن أطرافهن على أزواجهن فلا يطمحن إلى غيرهم

الصفحة 387