كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
فيقول سبحان الذي ذا صنعه ... سبحان متقن صنعة الإنسان
لا الليل يدرك شمسها فتغيب عن ... د مجيئه حتى الصباح الثاني
والشمس لا تأتي بطرد الليل بل ... يتصاحبان كلاهما أخوان
الشرح:
فإن كنت لا تزال مفتونا بما هاهنا من جمال، مأخوذا بسحر عيون ربات الحجال، فاسمع ما سأقصه عليك من صفات عرائس الجنان وما بلغنه من كمال في باب الحسن والإحسان، ثم اختر لنفسك ما يحلو منهن أو من هؤلاء النسوان، فهن حور حسان قد عملت خلائقهن، فلا يرى من عيب ولا نقصان، وكملت محاسنهن حتى ليحار الطرف فيهن من رقة الجلد وصفاء الالوان، وحتى ليرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد احداهن، كما ترى الصور في المرآة، ولا تسل عن جمال العيون، ففيها كل السحر والفتون، قد زانها الحور فاشتد بياض بياضها واشتد سواد سوادها، والتأم كل منهما بالآخر وتناسبا حتى أصبحا يشعان الفتنة. وبالجملة ففيهن كل ما شئت من شباب وجمال وحسن ودلال، حتى يقول صاحبها حين يشاهدها وهو مشدوه حائر الطرف:
سبحان من كملك جسما ومعنى وأعطاك هذا الحسن والإحسان، ويظل طرفه يشرب من كئوس جمالها ويعبّ من معين فتنتها وسحرها، حتى يصير ثملا نشوان في مثل الشارب السكران. كملت خلائقها، فلا يصدر عنها إلا كل جميل من عفة وشرف وطاعة للزوج وتحبب إليه وقصر للطرف عليه، ومناجاته بأحب الكلام إليه، لا يبدر منها إليه ما يسوؤه ولا يرى منها ما يكرهه، ولا يقع منها دائما إلى على كل ما يزيده حبا فيها وانجذابا إليها، واللّه سبحانه قد جمع فيها بين الليل والنهار، فالشمس تجري في محاسن وجهها، والليل تحت ذوائب شعرها الفاحم الجميل، فاعجب لشمس وليل كيف يجتمعان، وقل سبحان من هذا صنعه، سبحان متقن صنعة الإنسان. ومن عجب أن الشمس والليل باقيان فيها لا يستطيع كل منهما أن ينسخ الآخر، فلا الليل بمدرك شمسها فتغيب عند إقباله، ولا شمسها تأتي بطرد الليل وإدباره، بل هما فيها متلازمان كأنهما أخوان.