كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
وسل المتيم كيف حالته وقد ... ملئت له الأذنان والعينان
من منطق رقت حواشيه ووج ... ه كم به للشمس من جريان
وسل المتيم كيف عيشته إذا ... وهما على فرشيهما خلوان
يتساقطان لآلئا منثورة ... من بين منظوم كنظم جمان
وسل المتيم كيف مجلسه مع ال ... محبوب في روح وفي ريحان
وتدور كاسات الرحيق عليهما ... بأكف أقمار من الولدان
يتنازعان الكأس هذا مرة ... والخود أخرى ثم يتكئان
فيضمها وتضمه أ رأيت مع ... شوقين بعد البعد يلتقيان
الشرح:
في هذه الأبيات يتخيل المؤلف حوراء الجنان وقد برزت في أبهى حللها، وأخذت تختال في مشيتها وتتثنى بقدها الممشوق كما يتثنى العود الطري، وقد حملت من ورد الخدود ورمان النهود، ويحق لها أن تمشي تياهة بحسنها مزهوة بجمالها، وهي في جنة الحيوان حولها كل ما يسر ويبهج، وخوادمها يحطن بها من كل جانب وهي وسطهن كأنها البدر ليلة تمامه، قد أحيط في ظلمة الليل بالنجوم المتلألئة. هنا تملك محبوبها الدهشة ويأخذه العجب من أقطاره، فلسانه وقلبه وعينه كل ذلك في غاية الدهش والإعجاب، والتسبيح للّه الكريم الوهاب، ولقد كان القلب منه قبل زفافها إليه في أعراس متصلة وأفراح مستمرة، حتى إذا ما تقابلا وجها لوجه كما يتقابل القمران، فسله وهو العاشق الولهان هل يملك الصبر حينئذ عن عناق وتقبيل وإسراع إلى المحبوب في لهفة وشوق، بل سله أين خلف صبره وفي أي مكان تركه.
ثم سله كيف هو وقد امتلأت من الفتون والسحر الحلال عيناه وأذناه حين يسمع منطقها الرخيم وأنغامها الحلوة التي تزري بأجمل الألحان، وحين توجه إليه ألفاظها العذاب وتبثه أشواقها وحبها، وحين يرى وجهها المضي ء كأن الشمس تجري في صفحته.
ثم سله كيف عيشته الهانئة الراضية وقد اتكأ هو وعروسه على فرشيهما