كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

منفردين يتناجيان بأعذب الألحان وينثران الدر من أفواههما كأنه عقود جمان.
ثم سله كيف مجلسه مع محبوبه تحمل إليهما النسائم الندية عبير الروض وشذاه، تدور عليهما كئوس الرحيق المختوم على أيدي غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون، فيتنازعان الكأس يرشفها هو مرة وترشفها خوده مرة، ثم يتكئان على الأسرة فيتضامان ويتلاصقان فما ظنك بمحبوبين بعد البين يتلاقيان.
غاب الرقيب وغاب كل منكد ... وهما بثوب الوصل مشتملان
أ تراهما ضجرين من ذا العيش لا ... وحياة ربك ما هما ضجران
ويزيد كل منهما حبا لصا ... حبه جديدا سائر الأزمان
ووصاله يكسوه حبا بعده ... متسلسلا لا ينتهي بزمان
فالوصل محفوف بحب سابق ... وبلاحق وكلاهما صنوان
فرق لطيف بين ذاك وبين ذا ... يدريه ذو شغل بهذا الشأن
ومزيدهم في كل وقت حاصل ... سبحان ذي الملكوت والسلطان
يا غافلا عما خلقت له انتبه ... جد الرحيل فلست باليقظان
سار الرفاق وخلفوك مع الألى ... قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني
ورأيت أكثر من ترى متخلفا ... فتبعتهم ورضيت بالحرمان
لكن أتيت بخطتي عجز وجه ... ل بعد ذا وصحبت كل أمان
منتك نفسك باللحاق مع القعو ... د عن المسير وراحة الأبدان
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ... ما ذا صنعت وكنت ذا امكان
الشرح:
وغاب عنهما العاذل والرقيب وخلا وصالهما من كل تنكيد، وقد لفهما ثوب الوصال وصفا لهما العيش وطاب، فهل تحسبهما يملان هذا العيش أو يسأمانه؟ لا وحياة ربك لا يصيبهما منه ضجر ولا ملل، بل يزيد كل منهما حبا لصاحبه، حبا متجددا على الدوام لا يفتر ولا ينقطع، فكلما حظى منها بوصال هفا قلبه الى وصال جديد، ويظل هكذا، فوصاله محفوف بحبين: حب سابق

الصفحة 404