كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
الشرح:
وأما الذين قالوا بالتوالد في الجنة فاحتجوا بأن في الجنة كل ما يشتهيه الإنسان لقوله تعالى: ولَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ولَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ [فصلت: 31] ومعلوم أن البنين من أعظم الشهوات للإنسان، كما قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والْبَنِينَ [آل عمران:
14].
و أجيب عن هذا بأنه ليس كل ما يشتهى في الدنيا يشتهى في الآخرة، بل أهل الجنة لا يشتهون فيها ولدا ولا حبلا. وأما المانعون للولادة فاحتجوا بأمور كثيرة منها: حديث أبي رزين أن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد، وأن الحمل لا يكون إلا مع الحيض وإنزال المنيّ، ونساء الجنة مطهرات من الحيض والنفاس وكل قدر. والجماع في الجنة يكون بغير إنزال، كما جاء ذلك في حديث صدى ابن عجلان عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي معجم الطبراني من حديث أبي أمامة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل: (أ يجامع أهل الجنة؟ قال: دحا دحا ولكن لا منى ولا منية).
و أجيب عن هذا بأن نفي الولادة في حديث أبي رزين واشتراط الحيض والإنزال فيها، إنما هو بالنسبة للولادة المعهودة في هذه النشأة، فنفيها لا يستلزم أن لا يكون هناك ولادة أصلا، لجواز أن يكون هناك ولادة من نوع آخر لا يشترط فيها ذلك.
روى الحاكم عن أبي سهل قال: (أهل الزيغ ينكرون هذا الحديث- يعني حديث الولادة في الجنة- وقد روى فيه غير إسناد. وسئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فقال: يكون ذلك على نحو مما روينا. واللّه سبحانه وتعالى يقول: وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: 17] وليس بالمستحيل أن يشتهي المؤمن الممكن من شهواته المصفى المقرب المسلط على لذاته قرة عين وثمرة فؤاد من الذين أنعم اللّه عليهم بأزواج مطهرة، فإن قيل ففي الحديث أنهن لا يحضن ولا ينفسن فأين يكون الولد؟ قلت: (الحيض سبب الولادة الممتد مدة بالحمل