كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
ولقد أتى في سورة التطفيف أن ... القوم قد حجبوا عن الرحمن
فيدل بالمفهوم أن المؤمني ... ن يرونه في جنة الحيوان
وبذا استدل الشافعي واحمد ... وسواهما من عالمي الأزمان
وأتى بذا المفهوم تصريحا بآ ... خرها فلا تخدع عن القرآن
وأتى بذاك مكذبا للكافري ... ن الساخرين بشيعة الرحمن
ضحكوا من الكفار يومئذ كما ... ضحكوا هم منهم على الإيمان
وأثابهم نظرا إليه ضد ما ... قد قاله فيهم أولو الكفران
فلذاك فسرها الأئمة أنه ... نظر إلى الرب العظيم الشأن
للّه ذاك الفهم يؤتيه الذي ... هو أهله من جاد بالإحسان
الشرح:
قال اللّه تعالى في سورة المطففين في شأن الفجار والمكذبين: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15] فهذا يدل بمفهومه على أن المؤمنين لا يحجبون عنه سبحانه، بل يرونه في جنة الخلد التي وعدها عباده المتقين، وبهذا احتج الشافعي وأحمد رحمهما اللّه وغيرهما من علماء أهل السنة.
روى الحاكم قال: حدثنا الأصم أنبأنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن ادريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها (ما تقول في قول اللّه عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15] فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى قال الربيع فقلت يا أبا عبد اللّه وبه تقول؟ قال نعم وبه أدين للّه، ولو لم يوقن محمد بن ادريس أنه يرى اللّه لما عبد اللّه عز وجل).
و لقد ورد التصريح بهذا المفهوم في آخر السورة حيث يقول سبحانه:
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: 34، 36].
فقد جاءت هذه الآيات تكذب الكفار في سخريتهم من المؤمنين ورميهم إياهم بالضلال، فهم يضحكون يومئذ من الكفار، كما كان الكفار يضحكون