كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
تلتذ بالنظر الذي فازت به ... دون الجوارح هذه العينان
واللّه ما في هذه الدنيا ألذ ... من اشتياق العبد للرحمن
وكذاك رؤية وجهه سبحانه ... هي أكمل اللذات للإنسان
لكنما الجهمي ينكر ذا وذا ... والوجه أيضا خشية الحدثان
تبّا له المخدوع أنكر وجهه ... ولقاءه ومحبة الديان
وكلامه وصفاته وعلوه ... والعرش عطله من الرحمن
فتراه في واد ورسل اللّه في ... واد وذا من أعظم الكفران
الشرح:
وأشد شي ء في عذاب أهل النار هو احتجاب الرب تبارك وتعالى عنهم وحرمانهم من النظر الى وجهه الكريم، وإذا تجلى الرب لعباده المؤمنين في الجنة نسوا كل ما هم فيه من ألوان النعيم من أجل ما ظفرت به أعينهم من اللذة الكبرى بالنظر إلى وجه اللّه عز وجل، فإذا ما احتجب عنهم عادوا إلى ما كانوا فيه من ألوان السرور والنعيم، فلهم نعيمان في الجنة، نعيم عند رؤيته سبحانه وهو أجلهما وأشرفهما، ونعيم عند احتجابه بما هم فيه من ظلال وفواكه وحور وولدان إلى آخره، فحبذا النعيمان.
و لقد روى الامام أحمد من حديث أبي مجلز قال: (صلى بنا عمارة صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك، فقال أ لم أتمّ الركوع والسجود؟ قالوا بلى، قال: أما اني قد دعوت فيها بدعاء كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو به: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين» وأخرجه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما.
فالشوق إلى لقاء اللّه عز وجل هو لذة الروح في هذه الدنيا للمؤمن، وفي يوم القيامة يلتذ بالنظر إلى وجه اللّه الكريم الذي هو حظ العين من دون الجوارح