كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

وكذاك ظلم عباده وهو الغنى ... فما له والظلم للانسان
وكذاك غفلته تعالى وهو علا ... م الغيوب فظاهر البطلان
وكذاك النسيان جل الهنا ... لا يعتريه قط من نسيان
وكذاك حاجته الى طعم ورز ... ق وهو رازق بلا حسبان
الشرح:
ومما يجب أن ينزه اللّه عنه أن يقع منه ظلم لعباده بزيادة في سيئاتهم أو نقص من حسناتهم أو عقوبتهم على ما لم يفعلوا من الذنوب أو أخذ أحد منهم بجريرة غيره الى غير ذلك من صور الظلم التي حرمها سبحانه على نفسه، فان الظلم لا يفعله الا من هو محتاج إليه لعجزه وفقره أو من كان الجور وصفا له، واللّه سبحانه هو الغنى عن خلقه من كل وجه، وهو الموصوف بكمال الحكمة والعدل فما له اذا ولظلم العباد، قال تعالى: وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46] وقال إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [النساء: 4] وقال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:
29].
و كذلك ينزه عن الغفلة التي هي الذهول عن الشي ء وعن النسيان الذي هو ضد الذكر لان علمه محيط بالاشياء كلها من غيب أو شهادة، فلا يطرأ عليه ما يطرأ على علوم المخلوقين من ذهول أو نسيان، كما قال تعالى على لسان موسى عليه السلام في خطابه لفرعون حين قال له فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى [طه: 52].
و كذلك ينزه سبحانه عن احتياجه الى الطعام والرزق، فانه هو الرازق لجميع الخلق يوصل إليهم أقواتهم ويطعمهم ويسقيهم مع غناه عنهم قال تعالى وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 55، 58].
و قال قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والْأَرْضِ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ [الأنعام: 14].

الصفحة 61