كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
إدراك فمعنى السميع المدرك لجميع الأصوات، سرها وعلنها، فلا يخفى عليه شي ء منها مهما خفت، بل جميع الأصوات بالنسبة إلى سمعه سواء، كما أن بعيدها والداني، أي القريب سواء، فسمعه سبحانه حاضر عند كل صوت منها، لا تشتبه عليه ولا يختلط بعضها ببعض، ولا يتميز بعضها عن بعض بوضوح أو خفاء.
و معنى البصير المدرك لجميع المرئيات من الأشخاص والألوان مهما لطفت أو بعدت، فلا يؤثر على رؤيته بعد المسافات والأقطار، ولا تحول دونها الحواجز والاستار، فهو يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، بل ويرى مسالك الغذاء من أمعائها وأربطة مفاصلها وعروقها بعينه التي لا تنام، ويرى خيانات الأعين، وهي اختلاس النظر إلى محاسن النساء.
قال ابن عباس رضى اللّه عنهما (هو الرجل يدخل على أهل البيت وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض).
و قال الضحاك (خائنة الأعين) هي الغمز وقول الرجل رأيت ولم ير أو لم أر وقد رأى.
و يرى سبحانه كذلك تقلب الأجفان، أي حركتها بين الإطباق والتفتيح والمقصود أن بصره سبحانه محيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، كثيفها ولطيفها، لا يستتر عنه شي ء منها.
روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء: 58] فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه.
و معنى الحديث أنه سبحانه يسمع بسمع ويرى بعين، فهو حجة على المعتزلة وبعض الأشاعرة الذين يجعلون سمعه علمه بالمسموعات، وبصره علمه بالمبصرات