كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
و لا شك أنه تفسير خاطئ، فإن كلا من السمع والبصر معنى زائد على العلم قد يوجد العلم بدونه، فإن الأعمى يعلم بوجود السماء ولا يراها، وكذلك الأصم يعلم بوجود الأصوات ولا يسمعها.
و أعجب من هذا قول الأشاعرة أن كلا من السمع والبصر متعلق بجميع الموجودات، فكيف تعلق السمع بما لا يسمع من الأشخاص والألوان، وكيف تعلق البصر بما لا يرى من الأصوات المسموعة بالآذان.
و أعلم أن سمعه تعالى نوعان: أحدهما عام، وهو سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة الخفية والجلية وإحاطته التامة بها، والثاني خاص وهو سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله تعالى على لسان أم مريم عليها السلام: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران: 35] وقوله على لسان ابراهيم خليله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ [ابراهيم: 39] ومنه قول المصلي (سمع اللّه لمن حمده) أي استجاب له وقبل منه.
وهو العليم أحاط علما بالذي ... في الكون من سر ومن إعلان
وبكل شي ء علمه سبحانه ... فهو المحيط وليس ذا نسيان
وكذاك يعلم ما يكون غدا وما ... قد كان والموجود في ذا الآن
وكذاك أمر لم يكن لو ... كان كيف يكون ذا إمكان
الشرح:
هذا تفسير لاسمه العليم بأحسن وجه وأجمعه، فقد ذكر إحاطة علمه تعالى بجميع المعلومات من الواجبات والممتنعات والممكنات، أما الواجبات فإنه سبحانه يعلم ذاته الكريمة ونعوته المقدسة التي لا يجوز في العقل انتفاؤها بل يجب عنده ثبوتها ووجودها، وأما الممتنعات فإنه يعلمها حال امتناعها، ويعلم ما يترتب على وجودها لو وجدت كما أخبر عن الآثار المترتبة على وجود آلهة معه في قوله