كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

فصل
وهو المكلم عبده موسى بتك ... ليم الخطاب وقبله الأبوان
كلماته جلت عن الإحصاء والتعداد ... بل عن حصر ذي الحسبان
لو أن أشجار البلاد جميعها ال ... أقلام تكتبها بكل بنان
والبحر تلقى فيه سبعة أبحر ... لكتابة الكلمات كل زمان
نفدت ولم تنفد بها كلماته ... ليس الكلام من الإله بفان
الشرح:
سبق الكلام على صفة الكلام بما يغني هنا عن إعادته، ولكن وفاء بحق الشرح نجمل ذلك في أن اللّه تبارك وتعالى متكلم متى شاء وكيف شاء، لم يزل ولا يزال موصوفا بصفة الكلام، وأن كلامه من صفاته الذاتية الفعلية غير مخلوق كسائر صفات أفعاله المتعلقة بمشيئته وقدرته، وأنه كلم عبده موسى بن عمران كفاحا من غير واسطة بكلام سمعه موسى وناداه وقربه نجيا، كما ورد بكل ذلك آيات الكتاب العزيز. وأنه كلم من قبله الأبوان آدم وحواء حين أزلهما الشيطان بالأكل من الشجرة فقال سبحانه معاتبا لهما: أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: 22] وأن كلماته لا حصر لها ولا عد إذ كان ما تعلقت به لا يدخل تحت حصر وعد.
فهو يتكلم بما يتعلق بذاته وصفاته وأفعاله، وبما يتعلق بجميع مخلوقاته وأحكامه القدرية والشرعية والجزائية وكلماته كلها صدق وعدل صدق في الاخبار وعدل في الأوامر والنواهي والأحكام، كما قال سبحانه: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: 115].
و أما قوله (لو أن أشجار البلاد جميعها) إلخ الأبيات فهو إشارة إلى قوله تعالى: ولَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: 27].
يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه اللّه:

الصفحة 77