كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
ينفك عنه لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول، فيمتنع أن يكون إلا غنيا كما يمتنع أن يكون إلا جوادا محسنا برا رحيما كريما.
و كما أن غناه ذاتي له لا يمكن أن يطرأ عليه ما ينافيه من ذل واحتياج، فكذلك فقر المخلوقات إليه هو فقر ذاتي بحيث لا يمكنها أن تستغني عنه لحظة من اللحظات، فهي مفتقرة إليه في إيجادها وفي استمرار وجودها، وفي كل ما تحتاجه أو تضطر إليه.
و من سعة غناه أن خزائن السموات والأرض كلها بيده ينفق منها ما يشاء، وأن إنعامه على عباده متصل دائم الفيض لا ينقطع في لحظة من اللحظات، كما في الحديث «إن يمين اللّه ملآى سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة ألا ترون إلى ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض مما بيده».
و من كمال غناه وكرمه أنه يبسط يده بالإجابة لمن سأله فيقضي حاجته ويكشف ضره، ولا يتبرم بإلحاح السائلين، بل يغضب على من لم يسأله، ويؤتي عباده من فضله ما سألوه وما لم يسألوه. وفي الحديث القدسي يقول اللّه تعالى «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر».
و من تمام غناه عن خلقه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه لم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل، فهو الغني الذي كمل بنعوته وأوصافه، وهو المغني لجميع مخلوقاته.
وهو الحكيم وذاك من أوصافه ... نوعان أيضا ما هما عدمان
حكم وأحكام فكل منهما ... نوعان أيضا ثابتا البرهان
والحكم شرعي وكوني ولا ... يتلازمان وما هما سيان