كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
و عدل كله ومرضى كله، لأن قضاءه هو صفته التي قامت به، فلا يمكن أن يسخط ولا أن يلحقه الذم، وإنما الكلام في المقضى على العبد الذي هو أثر القضاء والذي هو خلق اللّه وصنعته فأحيانا يكون مرضيا حين يكون طاعة وإيمانا، وأحيانا يكون مسخوطا حين يكون كفرا وعصيانا.
و الحاصل أنه لا بد من الفرق بين القضاء الذي هو صفة الرب وبين المقضى الذي هو مخلوقه، كما يجب الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق ونحو ذلك، فإن الأول صفة الرب التي لا يمكن أن يلحقها نقص أو ذم، والثاني قد يكون فيه ما يعاب أو يذم، وبهذا البيان يزول أشكال كبير طالما أورد الناس موارد الهلكة، حيث لم يهتدوا إلى الفرق بين القضاء والمقضى، حتى آل أمر كثير منهم إلى استحسان الكفر وسائر المعاصي، وزعموا أن كل ما قضاه اللّه فهو محبوب مرضى، وأن العاصي مطيع للّه بتنفيذ قضائه، كالمطيع له سواء، وفي ذلك يقول شاعرهم:
أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات
وكل هذا كان بسبب الخلط بين المعاني وعدم الاهتداء إلى الفرق بينها، فالأمر الشرعي والكوني عندهم سواء، والقضاء والمقتضى سواء، والإرادة الكونية والشرعية سواء، والخلق والاختيار سواء، وهدى اللّه أهل السنة والجماعة إلى الفرق بين هذه المعاني كلها فرضوا بقضاء اللّه، ولكنهم سخطوا مقضية من الكفر والمعاصي التي لا يحبها ولا يرضاها. وعلموا أن من وافق حكمه الكوني القدري إن لم يوافق حكمه الشرعي، فهو موافق لسخطه، فلا يمكن ان يخلو من استحقاق ذم أو فوات حمد أو حرمان أجر ورضوان. وأما من وافق أمره الديني الشرعي فإن أصاب في اجتهاده فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، واللّه تعالى أعلم.