كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)

وهو الحفيظ عليهم وهو الكفي ... ل بحفظهم من كل أمر عان
الشرح:
ومن أسمائه سبحانه الحفيظ، وله معنيان:
أحدهما أنه يحفظ على العباد ما عملوه من خير وشر، وعرف ونكر، وطاعة ومعصية، بحيث لا يفوته من ذلك مثقال ذرة، وحفظه لهذه الأعمال بمعنى ضبطه لها وإحصائه إياها، فهو محيط علما بجميع أعمالهم، ظاهرها وباطنها، وهو قد كتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يبرأها، بل قبل ان يخلق السموات والأرض، وهو وكلّ بها ملائكة حافظين، كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون، قال تعالى:
وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ وكُلَّ شَيْ ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس:
12] وقال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: 6] وقال: ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف: 49] وقال: وكُلُّ شَيْ ءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52، 53].
فهذا المعنى من حفظه سبحانه يقتضي إحاطة علمه بأحوال العباد كلها ظاهرها وباطنها وكتابتها في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة كما يقتضي علمه بمقاديرها في كمالها ونقصها ومقادير جزائها في الثواب والعقاب ثم مجازاتهم عليها بفضله وعدله.
و المعنى الثاني من معني الحفيظ أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون.
و إلى هذا أشار المؤلف بقوله «و هو الكفيل بحفظهم من كل أمر عان) أي مشق مكروه.
و حفظه لخلقه نوعان: عام وخاص:
فالعام هو حفظه لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيها ويحفظ بنيتها وإلهامها تدبير شئونها والسعي فيما يصلحها كل حسب خلقته كما قال تعالى أَعْطى كُلَ

الصفحة 90