كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
الشرح:
هذا تفسير لا سميه الكريمين (الودود والشكور) وقد ورد كل منهما في الكتاب العزيز، فالودود ورد مرة مقترنا باسمه الرحيم في قوله تعالى من سورة هود على لسان شعيب عليه السلام يا قوم: واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [90].
و ورد مرة أخرى مقترنا باسمه الغفور في قوله تعالى: وهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج: 14].
و الودود مأخوذ من الود بضم الواو بمعنى خالص المحبة. وهو أما من فعول بمعنى فاعل، فهو سبحانه الواد أي المحب لأنبيائه وملائكته وعباده الصالحين وأما من فعول بمعنى مفعول، فهو سبحانه المودود المحبوب لهم، بل لا شي ء أحب إليهم منه، ولا يمكن أن يعدلوا بمحبته غيره من جميع المحبوبات، لا في أصل المحبة ولا في كيفيتها، ولا في متعلقاتها، وهذا هو الواجب أن تكون محبة اللّه في قلب العبد سابقة لكل محبة وغالبة لها ويتعين أن تكون بقية المحاب تابعة لها.
يقول العلامة الشيخ السعدى رحمة اللّه:
«و محبة اللّه هي روح الأعمال، وجميع العبودية الظاهرة والباطنة ناشئة عن محبة اللّه ومحبة العبد لربه فضل من اللّه وإحسان، ليست بحول العبد ولا قوته، فهو تعالى الذي أحب عبده، فجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جازاه اللّه بحب آخر، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة، إذ منه السبب ومنه المسبب. ليس المقصود منها المعاوضة، وإنما ذلك محبة منه تعالى للشاكرين من عباده ولشكرهم، فالمصلحة كلها عائدة إلى العبد، فتبارك الذي جعل وأودع المحبة في قلوب المؤمنين، ثم لم يزل ينميها ويقويها حتى وصلت في قلوب الاصفياء إلى حالة تتضاءل عندها جميع المحاب وتسليهم عن الأحباب، وتهون عليهم المصائب وتلذذ لهم مشقة الطاعات وتثمر لهم ما يشاءون من أصناف الكرامات التي أعلاها محبة اللّه والفوز برضاه والأنس بقربه.