كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 2)
ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشأن
كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان
ان عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله والحمد للمنان
الشرح:
قال أهل السنة والجماعة: إنه لا يجب على اللّه شي ء، لأن الوجوب معناه أن أحدا أوجب عليه، وليس فوقه سبحانه من يوجب عليه شيئا، قال تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23] فلا يجب عليه سبحانه اثابة المطيع ولا عقاب العاصي، بل الثواب محض فضله وإحسانه، والعقاب محض عدله وحكمته، ولكنه هو سبحانه الذي يوجب على نفسه ما يشاء، فيصير واجبا عليه بمقتضى وعده الذي لا يخلف، كما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 54] وكما قال سبحانه: وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: 47].
و قال المعتزلة بناء على أصولهم العقلية الفاسدة انه يجب على اللّه عقلا إثابة المطيع وعقاب العاصي، بحيث لو لم يفعل لكان في زعمهم مذموما، فارتكبوا بذلك أكبر حماقة، حيث حكموا على ربهم بعقولهم وقاسوه على الحكام من خلقه، بل جرى العرف على أن الحاكم إذا عفا عن المسي ء كان ذلك منه حسنا يستحق عليه المدح، وهو يوجبون على ربهم عقاب المذنب بحيث لا يجوز منه العفو أصلا، لأن وعيده عندهم كوعده، كل منهما واجب التحقيق، وفاتهم أن القبيح هو خلف الوعد، وأما خلف الوعيد فكرم، كما قال الشاعر:
واني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف ايعادي ومنجز موعدي
وفي هذه الأبيات الثلاثة بيان لمذهب أهل السنة في أنه ليس للعباد حق واجب على اللّه، وإنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه وأوجبه، ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة، فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال، فإذا توفرا في عمل ما كان مقبولا بمقتضى وعده سبحانه وإيجابه، واستحق