وقال الله تعالى: {أَقِمِ الصلاةَ طَرَفَي النهارِ وزُلَفاً من الليل} (118) ، أراد بطرفي النهار: الظهر والعصر، وزلفاً من الليل: أراد بها: المغرب والعشاء والفجر. فسمى هؤلاء الصلوات: زُلَفاً، لأنّ كُلَّ صلاة منهن في منزلة، وهي قُربة ونجاة. قال الله عز وجل: {وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخرينَ} (119) ، أراد: وقرَّبْنا، أي: قربناهم من الهلاك.
أخبرنا (120) محمد بن عيسى الهاشمي قال: حدثنا القُطَعي (121) قال: حدثنا عبد الملك بن دُرست، قال: حدثنا محمد بن عمر الرومي (122) عن محمد بن ثابت البناني عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أبيه: أنه قرأ على ابن عباس، وقرأ ابن عباس علي أُبَيّ، فقرأ ابن عباس: {وأَزْلَفْنا ثَمَّ الاخرين} ، فقال له أُبَيّ: وأزلفنا، فيها هوادة، وأَزْلَقْنا بالقاف، هي أشدهما (123) . (277)
فكأنه - رحمه الله - ذهب إلى ان " أزلقنا " بمعنى " أهلكنا "، وأن " أزلفنا " لا يكون هذا المعنى واضحاً فيه.
وغيره يقول: " أزلفنا " مأخوذ من التقريب، إمّا إلى نجاءٍ، وإمّا إلى بلاءٍ.
ومن " الزلفة " قولهم: منزلةُ فلانٍ أزلفُ عندَ أخيهِ من منزلة غيره، أي: أقرب، وأشد تقدما. أنشدنا أبو العباس لبعض (124) الشعراء:
(اغتنمْ رَكعتين زُلفى إلى اللهِ ... إذا كنتَ فارِغاً مُستريحا)
(وإذا ما هممتَ بالخوضِ في الباطلِ ... فاجعلْ مكانَه تَسْبيحا)
(والتزامُ السكوتِ أفضل من نُطْقٍ ... وإنْ كنتَ بالمقالِ فصِيحا)
__________
(118) هود 115.
(119) الشعراء 64.
(120) ك: وأخبرني.
(121) محمد بن يحيى بن أبي حزم، ت 253 هـ. (تهذيب التهذيب 9 / 508) .
(122) راو للحديث. (تهذيب التهذيب 9 / 360)
(123) الشواذ 107. ونسب القراءة بالقاف إلى أبي وابن عباس.
(124) البيتان الأول والثاني للإمام علي، ديوانه 45.