كتاب تشنيف المسامع بجمع الجوامع (اسم الجزء: 4)

فامتنع استناد تقرر الماهية إلى جعل جاعل واتحاد موجود ومذهب أصحابنا أن المعدوم ليس بشيء ولا ذات ولا ثابت فلهذا صاروا إلى أن الماهيات مجعولة بجعل الله وقالوا: إن القادر كما يجعل الماهية موجودة فهو يجعل الماهية ماهية، والحجة التي استند إليها المعتزلة في امتناع وقوع الماهية بالفاعل هي بعينها تقتضي امتناع وقوع الوجود بالفاعل، فإنه لو وقع الوجود بالفاعل لزم عند تقدير عدم الفاعل ذلك أن يخرج الوجود عن كونه موجودا وهو محال، ولأجل ما بيناه من المأخذ استشكل بعضهم مذهب ابن سينا، فإنه وافق الفلاسفة على أنها غير مجعولة مع تصريحه بأن العدم ليس بشيء فقال: وهذا مشكل، لأن الماهية إذا لم تكن ثابتة حال العدم استحال أن تكون غير مجعولة لأنها حينئذ إذا صارت ثابتة مع الوجود في الخارج إن لم يفتقر إلى مؤثر لزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح، وإن افتقرت إلى مؤثر صارت مجعولة والفرض خلافه، ولا مخلص غير هذا إلا بأن يدعى أن المراد من كونه الماهية غير مجعولة: أن جاعل الماهية بعينه الجاعل لها موجودة ووجه المذهب الثالث المفصل بين البسيط كالجوهر والمركب كالسواد الملتئم من اللونية ومن مانعية البصر فالأول غير مجعول نظرا إلى نفي حقيقته، لأن الجوهر جوهر وجد الغير أم لا، والثاني مجعول، لأنه لا يكون سوادا
بالاعتبار الأعم لذاته بل لمقدماته إذا قطع النظر عن مقدماته لا يكون السواد سوادا، ولا شك أن الجزء غير الكل فالمركبات إذا مجعولة.

الصفحة 743