كتاب تشنيف المسامع بجمع الجوامع (اسم الجزء: 4)

العلماء أهل البدء الأعلى فقد وقع في عظمتين: تجهيل أولياء الله إذ وصفهم بالقصور عن ذلك وظن بربه أنه منعهم وكيف يجوز أن يطلق على مخصوص؟ ويسري به التكذيب إلى القدرة والشرع بقوله عن اليهود أو عن العرب كما تضمن الخلاف {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} فما الدليل لك منها على جهل الصديقين وأهل خاصة الله العليا؟ والكشف عن هذا أن السؤال يقع بأربعة أحرف: بهل، وكيف، ولم، ومن، فـ (هل) يقع السؤال بها عن الشيء أموجود هو أو معدوم و (كيف) يقع السؤال بها عن الشيء و (لم) عن علته، وليس في الآية شيء من ذلك، فإنك إن قلت: فيها
معنى (هل) فهل يقتضي: هذا الروح موجود أو معدوم؟ وقد عرفنا وجوده من قبل ولولا ذلك ما قال: يسألونك عن الروح، فثبت أنهم عرفوا وجوده فبطل هذا، وليس فيها سؤال عن الحال، كيف هو؟ ولا سؤال عن العلة لم كذا وكذا؟ ولو كان سؤالهم عن هذين لما قنعوا بقوله: {قل الروح من أمر ربي} فثبت أن السؤال إنما هو عن الشيء من أين هو؟ بدليل الجواب والبيان الظاهر الشافي بقوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} إذ الرسول عليه السلام عالم بما سألوا عنه فأجاب عن الله سبحانه بذلك كما تقول آدم نسألك عنه وفهم المسؤول السؤال فقال: آدم من تراب فإذا رضي الجواب قنع، وليس يرجع العدو إلا بفهم عظيم من الحق العظيم الذي لا مرد له، فكيف يزعم الزاعم أنه لا يعرف ولا يجوز أن يعرف؟ فقد أوجب الله سبحانه وتعالى علينا معرفته ولا مثل له ولو ضيعناها كنا كفارا أو عصاة، فكيف بموجود ومخلوق أمثاله كثيرة؟ هذا عين الجهل أن يقال: لا يجوز أن يعرف من له المثل والنظير وهو روح، ويوجب معرفة من لا شبيه له ولا نظير، والذي نقول به: إن لله تعالى أسرارا لا يسع فيها الوهم ولا يليق بها الكتم لوضوحها وشدة

الصفحة 787