كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 3-4)

يقبلها [54أ] أعرض عن الصادق الخبير، ودفع في صدر الناصح المشير.
حدثني من أثق بخبره، ممن كان بعض أبواب قرطبة يومئذ إلى نظره، أن ابن عكاشة كان يسري تحت الليل إلى أحد حراسها فيخرج إليه بعض مردتها، فيطعمهم ويسقيهم، ويدبر كيف يفتح البلد على أيديهم، ويوليهم الأعمال ويقطعهم النفوس والأموال، فأخبر بذلك عباد بن المعتمد، فقال له: الق ذا الوزارتين الأعلى ابن مرتين، وكان لا يستبد عليه، ولا يقطع أمراً إلا بين يديه، فأدى ما كان عنده من ذلك إليه، فأظهر السرور، ووعد الجد والتشمير، وقال له: تقدم إلى فلان وفلان، جماعةٍ كانت بالحضرة من الأعيان، فليكونوا عندك في العدد الوافر، والسلاح الظاهر، فأمرهم عنه فأتمروا، وتقدم إليهم بالحضور فحضروا:
في ليلةٍ من جمادي ذات أنديةٍ ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا وأقاموا منتظرين لأمره حتى بدا النور، وتكلم العصفور، وهو مشغول بجر ذيوله، وعصيان عذوله، فيئسوا من نصره، وجعلوا بعد يلحدون في أمره، وتم لابن عكاشه تدبيره، واستوسق له عبيره ونفيره، فانتهك حرمة قرطبة، سنة سبع وستين، في شرذمةٍ قليلة، وشباةٍ كليلة، معلنين بشعارهم، متلبثين بين تغريرهم واغترارهم، لم تكن لهم همة

الصفحة 270