كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 171 """"""
وأما الحكماء ، فقال بعضهم : في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان ، فلما ظهرت سرت وطربت إليها ، فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة الظواهر . وقال بعضهم : نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي واستجلاب العازب من الفكر وحدة الكال من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما عجز ويصفو ما كدر ويمرح في كل رأي ونية فيصيب ولا يخطئ ويأتي ولا يبطئ . ثم ذكر المعنى الذي الوجد عبارة عنه فقال : هو عبارة عن حالة يثمرها السماع وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه . وتلك الحالة لا تخلو من قسمين : فإنها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هي من قبيل العلوم والتنبيهات ، وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم والتنبيهات بل هي كالشوق والخوف والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض . وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها فإن ضعفت بحيث لم تؤثر في تحريك الظاهر أو تسكينه أو تغيير حاله حتى يتحرك على خلاف عادته أو يطرق أو يسكن عن النظر والنطق والحركة على خلاف عادته لم يسم وجداً . وإن ظهر على الظاهر سمي وجداً إما ضعيفاً وإما قوياً بحسب ظهوره وتغييره الظاهر وتحريكه بحسب قوة وروده وحفظ الظاهر عن التغيير بحسب قوة الواجد وقدرت على حفظ جوارحه ، فقد يقوي الوجد في الباطن ولا يتغير الظاهر لقوة صاحبه وقد لا يظهر لضعف الوارد وقصوره عن التحريك وحل عقد التماسك . وإلى المعنى الأول أشار أبو سعيد بن الأعرابي حيث قال في الوجد : إنه مشاهدة ما لم يكن مكشوفاً قبله ، فإن الكشف يحصل بأسباب : منها التنبيه ، والسماع منبه . ومنها تغير الأحوال ومشاهدتها وإدراكها ، فإن إدراكها ، فإن إدراكها نوع علم يفيد إيضاح أمور لم تكن معلومة قبل الورود .
ومنها صفاء القلب ، والسماع مؤثر في تصفية القلوب ، والصفاء سبب المكاشفة .
ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع فيقوى على مشاهدة ما كان تقصر عنه قبل ذلك قوته كما يقوى البعير على حمل ما كان لا يقوى عليه قبله ، وهذا

الصفحة 171