كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 172 """"""
الاستكشاف من ملاحظة أسرار الملكوت . وكما أن حمل الجمل يكون بواسطة ، فبواسطة هذه الأسباب يكون سبب الكشف ، بل القلب إذا سفا تمثل له الحق في صورة مشاهدة أو في لفظ منظوم يقرع سمعه يعبر عنه بصوت الهاتف إذا كان في اليقظة وبالرؤيا إذا كان في المنام وذلك جزء من النبوة ، وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة . وذلك كما روي عن محمد بن مسروق البغدادي أنه قال : خرجت يوماً في أيام جهلي وأنا نشوان وكنت أغنى هذا البيت :
بطيزناباذ كرم ما مررت به . . . إلا تعجبت ممن يشرب الماء
فسمعت قائلاً يقول :
وفي جهنم ماء ما تجرعه . . . خلق فأبقى له في الجوف أمعاء
فقال : وكان ذلك سبب توبتي واشتغالي بالعلم . قال أبو حامد : فانظر كيف أثر الغناء في تصفية قلبه حتى تمثل له حقيقة الحق في صفة جهنم وفي لفظ منظوم موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر . وكما يسمع صوت الهاتف عند صفاء القلب . ويشاهد أيضاً بالبصر صورة الخضر عليه السلام فإنه يخيل لأرباب القلوب بصور مختلفة ، وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الاطلاع على ضمائر القلوب ، ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى " . قال : فحاصل الوجد يرجع إلى مكاشفات وإلى حالات ينقسم كل واحد منهما إلى ما لا يمكن التعبير عنه عند الإقامة منه وإلى ما لا تمكن العبارة عنه أصلاً . وضرب لذلك أمثلة ، منها أن الفقيه قد تعرض عليه مسألتان متشابهتان في الصورة ويدرك بذوقه أن بينهما فرقاً في الحكم ، فإذا كلف ذكر وجه الفرق لم يساعده اللسان على التعبير عنه وإن كان من أفصح الناس ، فيدرك بذوقه الفروق ولا يمكنه التعبير عنه ، وإدراكه الفرق علم يصادفه في قلبه بالذوق . ولا شك أن لوقوعه في قلبه