كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 173 """"""
سبباً ، وله عند الله تعالى حقيقة ، ولا يمكنه الإخبار عنه لقصور في لسانه بل لدقة المعنى أن تناله العبارة .
وأما الحال فكم من إنسان يدرك في قلب في الوقت الذي يصبح فيه قبضاً أو بسطاً ولا يعلم سببه ، وقد يتفكر في شيء فيؤثر في نفسه أثراً فينسى ذلك السبب ويبقى الأثر في نفسه وهو يحسبه . وقد تكون الحالة التي يحسها سروراً يثبت في نفسه بتفكره في سبب موجب للسرور ، أو حزناً فينسى المتفكر فيه ويحس بالأثر عقيبه . وقد تكون تلك الحال حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ولا يصادف لها عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود ، بل ذوق الشعر الموزون والفرق بينه وبين غير الموزون يختص به بعض الناس دون بعض ، وهي حالة يدركها صاحب الذوق بحيث لا يشك فيها أعني التفرقة بين الموزون والمنزحف ولا يمكنه التعبير عنها بما يتضح به مقصوده لمن لا ذوق له . وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها بل المعاني المشهورة من الخوف والحزن والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم . فأما الأوتار وسائر النغمات التي ليس مفهومة فإنها تؤثر في النفس تأثيراً عجيباً ، ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الأوتار ، وقد يعبر عنها بالشوق ، ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق إليه ، فهذا عجيب . والذي اضطربت نفسه بسماع الأوتار والشاهين وما أشبهه ليس يدري إلى ماذا يشتاق ، ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمراً ليس يدري إلى ماذا يشتاق ، ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمراً ليس يدري ما هو ، حتى يقع ذلك للعوام ومن لا يغلب على قلبه لا حب آدمي ولا حب الله تعالى . وهذا له سر ، وهو أن كل شوق فله ركنان : أحدهما صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه . والثاني : معرفة المشتاق إليه ومعرفة صورة الوصول إليه . فإن وجدت الصفة التي بها الشوق ووجد العلم بالمشتاق ووجدت الصفة المشوقة وحركت قلبك الصفة واشتعلت نارها ، أورث ذلك دهشة وحيرة لا محالة . ولو نشأ آدمي وحده حيث لم ير صورة النساء ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق الحلم وغلبت عليه الشهوة لكان يحس من نفسه بنار الشهوة ولا يدري أنه يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدري صورة الوقاع ولا يعرف صورة النساء ، فكذلك في نفس الآدمي مناسبة مع العالم الأعلى واللذات التي وعد