كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 174 """"""
بها في سدرة المنتهى والفراديس العلا ، إلا أنه لم يتخيل من هذه الأمور إلا الصفات والأسماء كالذي يسمع لفظ الوقاع واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة قط ولا صورة رجل ولا صورة نفسه في المرآة ليعرف بالمقايسة . فالسماع يحرك منه الشوق ، والجهل المفرط والاشتغال بالدنيا قد أنساه نفسه وأنساه ربه وأنساه مستقره الذي إليه حنينه واشتياقه بالطبع ، فيتقاضاه قلبه أمراً ليس يدري ما هو فيدهش ويضطرب ويتحير ويكون كالمختنق الذي لا يعرف طريق الخلاص . فهذا وأمثاله من الأحوال التي لا يدرك تمام حقائقها ، ولا يمكن المتصف بها أن يعبر عنها . فقد ظهر انقسام الوجد إلى ما يمكن إظهاره وإلى ما لا يمكن إظهاره . قال : واعلم أيضاً أن الوجد ينقسم إلى هاجم وإلى متكلف يسمى التواجد . وهذا التواجد المتكلف ، فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ، ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى الاستدعاء للأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة ، فإن للكسب مدخلاً في جلب الأحوال الشريفة ، ولذلك أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن ، فإن هذه الأحوال قد تتكلف مباديها ثم تتحقق أواخرها . وكيف لا يكون التكلف سبباً في أن يصير المتكلف بالآخرة طبعاً ، وكل من يتعلم القرآن أو لا يحفظه تكلفاً ويقرؤه تكلفاً مع تمام التأمل وإحضار الذهن ثم يصير ذلك ديدناً للسان مطرداً حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته . وذكر أبو حامد أمثلة نحو ذلك ثم قال : وكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها ، بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره ، فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصاً ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرر على نفسه الأوصاف المحبوبة إليه والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخاً خرج عن حد اختياره ، واشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص ، فكذلك حب الله تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة إذا فقدها

الصفحة 174