كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 175 """"""
الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ، ومشاهدة أحوالهم ، وتحسين صفاتهم في النفس ، وبالجلوس معهم في السماع ، وبالدعاء والتضرع إلى الله تعالى في أن يرزقه تلك الحالة بأن ييسر له أسبابها السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحبين والمشتاقين والخاشعين ، فمن جالس شخصاً سرت إليه صفاته من حيث لا يدري . ويدل على إمكان تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في دعائه : " اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب من يقربني إلى حبك " . فقد فزع إلى الدعاء في طلب الحب . قال : فهذا بيان انقسام الوجد إلى مكاشفات وإلى أحوال ، وانقسامه إلى ما يمكن الإيضاح عنه وإلى ما لا يمكن ، وانقسامه إلى المتكلف وإلى المطبوع .
المقام الثالث : في آداب السماع ظاهراً وباطناً ، وما يحمد من آثار الوجد ويذم .
قال الإمام أبو حامد رحمه الله تعالى : فأما الآداب فهي خمس جمل : الأول : مراعاة الزمان والمكان والإخوان . قال الجنيد : السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع : الزمان والمكان والإخوان . قال الغزالي : ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام و خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه ، فهذا معنى مراعاة الزمان ، فيراعى فراغ القلب . والمكان قد يكون شارعاً مطروقاً أو موضعاً كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيتجنب ذلك . وأما الإخوان فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلاً في المجلس واشتغل القلب به ، وكذا إذا حضر متكبر من أهل الدنيا فيحتاج إلى مراقبته ومراعاته ، أو متكلف متواجد من أهل التصوف يرائي بالوجد والرقص وتمزيق الثوب ، فكل ذلك مشوشات ، فترك السماع عند فقد هذه الشروط أولى .
الثاني : وهو نظر للحاضرين ، أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرهم السماع فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم ، فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر . والمريد الذي لا يستفيد بالسماع أحد ثلاثة : أقلهم درجة هو الذي لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة ولم يكن له ذوق السماع ، فاشتغاله بالسماع اشتغال بما لا يعنيه ، فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو ، ولا من أهل الذوق فيتنعم بذوق السماع ، فليشتغل بذكر أو