كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 176 """"""
خدمة وإلا فهو مضيع لزمانه . الثاني : هو الذي له ذوق ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى الشهوات والصفات البشرية ولم ينكسر بعد انكساراً تؤمن غوائله ، فربما يهيج السماع منه داعية اللهو والشهوة فينقطع طريقه ويصده عن الاستكمال . الثالث : أن يكون قد انكسرت شهوته وأمنت غائلته وانفتحت بصيرته واستولى على قلبه حب الله تعالى ، ولكنه لم يحكم ظاهر العلم ولم يعرف أسماء الله وصفاته وما يجوز عليه وما يستحيل ، وإذا فتح له باب السماع نزل المسموع في حق الله تعالى على ما يجوز وما لا يجوز ، فيكون ضرره من تلك الخواطر التي هي كفر أعظم عليه من نفع السماع . قال سهل : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل . فلا يصلح السماع لمثل هذا ولا لمن قلبه بعد ملوث بحب الدنيا وشهوة المحمدة والثناء ، ولا من يسمع لأجل التلذذ والاستطابة بالطبع ، فيصير ذلك عادة له ويشغله عن عبادته ومراعاة قلبه وتنقطع عليه طريقة الأدب ، فالسماع مزلة قدم يجب حفظ الضعفاء عنه .
الأدب الثالث : أن يكون مصغياً إلى ما يقوله القائل ، حاضر القلب ، قليل الالتفات إلى الجوانب ، متحرزاً عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد ، مشتغلاً بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله له من رحمته في سره ، متحفظاً عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم ، بل يكون ساكن الظاهر ، هادئ الأطراف متحرزاً عن التنحنج والتثاؤب ، يجلس مطرقاً رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه ، متماسكاً عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة ، ساكتاً عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بد . فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو فيه معذور وغير ملوم ، ومهما رجع إليه اختياره فليعد إلى هدوه وسكونه . ولا ينبغي أن يستديمه حياء من أن يقال : انقطع وجده على القرب ، ولا أن يتواجد خوفاً من أن يقال : هو اقسي القلب عديم الصفاء والرقة . قال : وقوة الوجد تحرك ، وقوة العقل التماسك تضبط الظواهر . وقد يغلب أحدهما الآخر إما لشدة قوته ، وإما لضعف ما يقابله ، ويكون النقصان والكمال بحسب ذلك . فلا تظنن أن الذي يضطرب بنفسه على الأرض أتم وجداً من الساكن باضطرابه ، بل رب ساكن أتم

الصفحة 176