كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 177 """"""
وجداً من المضطرب ، فقد كان الجنيد يتحرك في السماع في بدايته ثم صار لا يتحرك فقيل له في ذلك فقال : " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء " إشارة إلى أن القلب مضطرب جائل في الملكوت ، والجوارح متأدبة في الظاهر ساكنة .
الأدب الرابع : ألا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ، ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة ، لأن التباكي استجلاب للحزن ، والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط ، وكل سرور مباح فيجوز تحريكه ، ولو كان ذلك حراماً لما نظرت عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهم يزفنون . وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم حجلوا لما ورد عليهم سرور أوجب ذلك وذلك في قصة ابنة حمزة بن عبد المطلب لما اختصم فيا علي بن أبي طالب وأخوه جعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم ، فتشاحوا في تربيتها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعلي : " أنت مني وأنا منك " فحجل علي . وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي " فحجل . وقال لزيد : " أنت أخونا ومولانا " فحجل . الحديث . قال : والحجل : الرقص ، ويكون لفرح أو شوق ، فحكمه حكم مهيجه إن كان فرحه محموداً ، والرقص يزيده ويؤكده فهو محمود ، فإن كان مباحاً فهو مباح ، وإن كان مذموماً فهو مذموم . نعم لا يليق ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب ، وما له صورة اللعب في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه المقتدي به لئلا يصغر في أعين الخلق فيترك الاقتداء به . وأما تخريق الثياب فلا رخصة فيه إلا عند خروج الأمر عن الاختيار . ولا يبعد أن يغلب الوجد بحيث يمزق ثوبه وهو لا يدري لغلبة سكر الوجد عليه أو يدري ولكن يكون كالمضطر الذي لا يقدر على ضبط نفسه ، وتكون صورته صورة المكره ، إذ يكون له في الحركة أو التمزيق متنفس فيضطر إليه اضطرار المريض إلى الأنين ، ولو كلف الصبر عنه لم يقدر عليه مع أنه فعل اختياري ، فليس كل فعل حصوله بالإرادة يقدر الإنسان على تركه ، فالتنفس فعل يحصل بالإرادة ، ولو كلف الإنسان نفسه أن يمسك التنفس ساعة اضطر من باطنه إلى أن يختار التنفس ، فكذلك الزعقة وتخريق الثياب قد يكون كذلك فهذا لا يوصف بالتحريم .