كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 178 """"""
الأدب الخامس : موافقة القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف ، أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقام له الجماعة فلا بد من الموافقة ، فذلك من آداب الصحبة . وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتخريق . فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة ، غذ المخالفة موحشة . ولكل قوم رسم ، ولا بد من مخالفة الناس بأخلاقهم كما ورد في الخبر لا سيما إذا كانت أخلاقاً فيها حسن المعاشرة والمجاملة وتطييب القلب بالمساعدة . وقول القائل : إن ذلك بدعة لم تكن في الصحابة ، فليس كل ما يحكم بإباحته منقولاً عن الصحابة ولم ينقل النهي عن شيء من هذا . والقيام عند الدخول للداخل لم تكن من عادة العرب ، بل كان الصحابة لا يقومون لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض الأحوال كما رواه أنس رضي الله عنه ، وإن كان لم يثبت فيه نهي عام ، فلا نرى به بأساً في البلاد التي جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام ، فإن القصد منه الاحترام والإكرام وتطييب القلب به ، كذلك سائر أنواع المساعدة إذا قصد بها طيبة القلب واصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها ، بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل التأويل . ومن الأدب ألا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه ويشوش عليهم أحوالهم ، إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح ، والمتواجد هو الذي يلوح للجميع منه أثر التكلف ، ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع ، فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب القلوب محك للصدق والتكلف . سئل بعضهم عن الوجد الصحيح فقال : صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالاً غير أضداد . هذا ملخص ما أورده الغزالي رحمه الله تعالى في معنى السماع وقسمه إلى هذه الأقسام التي ذكرناها .
وأما أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم فقد ذكر مسألة السماع بين إباحته ، فبدأ بذكر الأحاديث التي احتجوا بها وضعف رواتها نحو ما تقدم وذكر الآية : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم "