كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 179 """"""
وأنه قيل : إنه الغناء ، فليس عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا ثبت عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم ، فإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا يقوم بقوله حجة ، وما كان هكذا فلا يجوز القول به . ثم لو صح لما كان فيه متعلق ، لأن الله تبارك وتعالى يقول : " ليضل عن سبيل الله " وكل شيء اقتنى ليضل به عن سبيل الله فهو إثم وحرام ولو أنه شراء مصحف أو تعليم قرآن . فإذاً لم يصح في هذا شيء فقد قال الله عز وجل : " وقد فصل لكم ما حرم عليكم " . وقال تعالى : " خلق لكم ما في الأرض جميعاً " وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أعظم الناس جرماً في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته " ، فصح أن كل شيء حرمه الله عز وجل علينا فقد فصله لنا ، وكل ما لم يفصل تحريمه لنا فهو حلال . واستدل رحمه الله على إباحته بالأحاديث التي ذكرناها ، حديث عائشة عن خبر أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في غناء الجاريتين ، واستدل أيضاً بحديث نافع أن ابن عمر سمع مزماراً فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال : يا نافع ، هل تسمع شيئاً ؟ قلت لا ، فرفع إصبعيه عن أذنيه وقال : كنت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسمع مثل هذا وصنع مثل هذا . قال : فلو كان حراماً ما أباح عليه الصلاة والسلام لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه ، ولكنه عليه الصلاة والسلام كره لنفسه كل شيء ليس من التقرب إلى الله عز وجل ، كما كره الأكل متكئاً ، والتنشف بعد الغسل في ثوب يعد لذلك ، والستر الموشى على سهوة عائشة وعلى باب فاطمة رضي الله عنهما ، وكما كره ( صلى الله عليه وسلم ) أشد الكراهة أن يبيت عنده دينار أو درهم . وإنما بعث عليه الصلاة والسلام منكراً للمنكر ، آمراً بالمعروف . فلو كان ذلك حراماً لما اقتصر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يسد اذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه ، ولم يفعل عليه الصلاة والسلام شيئاً من ذلك بل أقره وتنزه عنه ، فصح أنه مباح وأن الترك له أفضل كسائر فضول الدنيا المباحة . قال : فإن قال قائل : قال الله تبارك وتعالى : " فماذا بعد الحق إلا الضلال " ففي أي ذلك يقع الغناء ؟ قيل له : حيث يقع التروح في البساتين وصباغ ألوان الثياب ، ولكل امرئ ما نوى فإذا نوى المرء ترويح نفسه وإجمامها لتقوى على طاعة الله فما أتى ضلالاً . قال : ولا يحل تحريم شيء ولا إباحته إلا بنص من الله عز وجل أو من رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأنه إخبار عن الله عز وجل ، ولا يجوز

الصفحة 179