كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
قد ذهب بصره ومعه ابنه عبد الرحمن ، وكان إذا أتي بطعام سأل ابنه عبد الرحمن أطعام يد أم طعام يدين ؟ يعني بطعام اليد الثريد ، وطعام اليدين الشواء لأنه ينهش نهشاً فإذا قال : طعام يد أكل ، وإذا قال : طعام يدين أمسك يده . فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين مغنيتين إحداهما رائقة والأخرى عزة فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضرباً عجيباً وغنتا بقول حسان بن ثابت :
أنظر خليلي بباب جلق هل . . . تؤنس دون البلقاء من أحد
قال : فأسمع حسان يقول : قد أراني هناك سميعاً بصيراً ، وعيناه تدمعان ، فإذا سكتتا سكن عنه البكاء وإذا غنتا يبكي . قال : وكنت أرى عبد الرحمن ابنه إذا سكتتا يشير إليهما أن غنيا ، فيبكي أبوه ، فيقال : ما حاجته إلى بكاء أبيه .
وروى أيضاً بسنده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير عن شيخ من قريش قال : إني وفتية من قريش عند قينة ومعنا عبد الرحمن بن حسان بن ثابت إذ استأذن حسان ، فكرهنا دخوله وشق علينا ، فقال لنا عبد الرحمن ابنه : أيسركم ألا يجلس ؟ قال نعم . قال : فمروا هذه إذا نظرت إليه أن تغني : أولاد جفنة حول قبر أبيهم . . . قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهم . . . لا يسألون عن السواد المقبل
قال : فغنته ، فوالله لقد بكى حتى ظننا أنه سيلفظ نفسه . ثم قال : أفيكم الفاسق ؟ لعمري لقد كرهتم مجلسي اليوم . وقام فانصرف . وهذا الشعر لحسان بن ثابت وهو مما امتدح به جبلة بن الأيهم ، وهو من قصيدة طويلة منها قوله في مدح آل جفنة :
بيض الوجوه كريمة أحسابهم . . . شم الأنوف من الطراز الأول
وروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى الحارث بن عبد الله بن العباس : أنه بينما هو يسير مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه

الصفحة 182