كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)

"""""" صفحة رقم 186 """"""
العتمة . فلما جاء قال له : يا عدو نفسه ، ما أخرك إلى هذا الوقت ؟ قال : اجتزت بباب فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته . فقال : هاته يا بني ، فوالله لئن كنت أحسنت لأحبونك ، وإن كنت أسأت لأضربنك . فاندفع يغني بشعر كثير :
ولما علوا شغباً تبينت أنه . . . تقطع من أهل الحجاز علائقي
فلا زلن حسرى ظلعاً لما حملنها . . . إلى بلد ناء قليل الأصادق
فلم يزل يغنيه ويستعيده إلى نصف الليل . فقلت له زوجته : يا هذا ، قد انتصف الليل وما أفطرت . فقال لها : أنت الطلاق إن أفطرنا على غيره . فلم يزل يغنيه ويستعيده حتى أسحر . فقالت له : هذا السحر وما أفطرنا . فقال لها : أنت الطلاق إن كان سحورنا غيره . ثم قال لابنه : يا بني ، خذ جبتي هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما . فقال له : يا أبت ، أنت شيخ وأنا شاب وأنا أقوى على البرد منك ، فقال له : يا بني ، ما ترك هذا الصوت للبرد علي سبيلاً ما حييت .
ويؤيد هذه الحكاية ما حكاه أبو طالب المكي في كتابه ، قال : كان بعض السامعين يقتات بالسماع ليقوى به على زيادة طيه ، كان يطوي اليوم واليومين والثلاثة ، فإذا تاقت نفسه إلى القوت عدل بها إلى السماع ، فأثار تواجده ، فاستغنى بذلك عن الطعام . وروى أبو الفرج بسنده إلى عبد الله بن أبي مليكة عن أبيه عن جده قال : كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والعفة ، وكان يغشى عبد الله بن جعفر ، فسمع

الصفحة 186