كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 4)
"""""" صفحة رقم 187 """"""
جارية مغنية لبعض النخاسين تغني :
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا . . . واحتلت الغور فالجدين فالفرعا
وأنكرتني وما كان الذي نكرت . . . من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فهام الناسك وترك ما كان عليه ، حتى مشى إليه عطاء وطاوس ولاماه ، فكان جوابه لهما أن تمثل :
يلومني فيك أقوام أجالسهم . . . فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فبلغ عبد الله بن جعفر خبره ، فبعث إلى النخاس ، فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت وقال : ممن أخذتيه ؟ قالت : من عزة الميلاء ، فابتاعها بأربعين ألف درهم . ثم بعث إلى الرجل فسأله عن خبرها فأعلمه إياه ، فقال : أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذته عنه تلك الجارية ؟ قال نعم . فدعا عزة الميلاء فقال : غنيه إياه . فغنته ، فصعق الرجل وخر مغشياً عليه . فقال ابن جعفر : أثمنا فيه ، الماء الماء فنضح على وجهه . فلما أفاق قال له : أكل هذا بلغ بك عشقها ؟ قال : وما خفي عليك أكثر . قال : أفتحب أن تسمعه منها ؟ قال : قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبها ، فكيف يكون حالي إن سمعته منها وأنا لا أقدر على ملكها فأخرجها إليه وقال : خذها فهي لك ، ووالله ما نظرت إليها إلا عن عرض . فقبل الرجل يديه ورجليه وقال : أنمت عيني ، وأحييت نفسي ، وتركتني أعيش بين قومي ، ورددت إلى عقلي ، ودعا له دعاء كثيراً . فقال عبد الله : ما أرضى أن أعطيكها هكذا ، يا غلام ، احمل معه مثل ثمنها ، ففعل .
قال الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين : كان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيها سماع . قال : وكان أبو الخير العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع ، وصنف فيه كتاباً ورد فيه على منكريه . وحكي عن بعض الشيوخ أنه قل : رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام ، فقلت : ما تقول